الغرباء الذين يقاتلون على أرضنا

السبت 2015/09/19

البعض لا يأخذ ما يقوله الرئيس السوري بشار الأسد على محمل الجد. فهو من وجهة نظر ذلك البعض، وطوال سنوات الأزمة، التي تعصف ببلاده مهددة سلطانه بالزوال، لم يقل جملة واحدة مفيدة.

قاد حربا أو اضطر إلى أن يقودها، لكنها لم تكن حربا موجهة ضد عدو واضح الملامح. كانت المؤامرة التي تحيط بسوريا، ولا تزال، هي المعين الذي ينهل منه وهو يصنع صورة عدو، اشتبكت في ملامحه دسائس التاريخ بخرائط الجغرافيا، حتى وصل بـه الأمر إلى التسليم بالهيمنة الإيـرانية على بلاده باعتبارها نـوعا من الحل الذي يضمن لنظامه الاستمرار في الحرب.

لم يكن الرجل يتحدث عن معادلة إقليمية تكون إيـران جـزءا منها، بل كان حديثه يتعلق بما يجري في البلاد التي يحكمها، أو البـلاد الذي صار فيها حكمه مـوضع التبـاس. فهل يعقل أن يكون مقبولا بالنسبة لرئيس دولة تـدخل دولة أجنبية في شؤون بلاده؟

بقدر ما هو واقعي فإن اعتراف الأسد يشير إلى تدنّ خطير في المثل والقيم الوطنية التي لا يتمنى أحد أن تكون عرضة للمزايدات.

فمن يرفع مبدأ السيادة الوطنية في وجه خصومه السياسيين وهو محق في ذلك، ينبغي عليه ألا يتقاسم تلك السيادة مع غرباء يختارهم تبعا لمصلحته.

فإيران التي صار تدخلها في سوريا رسميا بعد اعتراف الرئيس السوري يجب ألا تملك حقا لا تملكه جارة لسوريا هي تركيا. فالطرفان غريبان عن الأزمة التي نشأ على أساسها الصراع بين نظام الأسد ومعارضيه. غير أن هذا الكلام النظري فات موعده ولم يعد مجديا بعد أن أقر طرفا الصراع بقبولهما بمبدأ الغرباء الذين يقاتلون على أرضنا.

إن سوريا اليوم وبعد أن تحولت إلى ساحـة لتصفية الحسابات الدولية لم تعد بلـدا مستقلا ذا سيادة حسب القانون الـدولي. فمـا من شيء فيهـا يذكـر بتلك الـدولة التي استقلت عن الاستعمـار الفرنسي لتكون سيدة نفسها. السوريـون وهم مادة السيادة الوطنية ليسوا مستقلين في إرادتهم.

فإذا ما كان المعارضون قد لجئوا، عن ضعف، إلى الاستجارة بقوى دولية وإقليمية، كانت تنتظر بلهفة اللحظة التي ينهار فيها العقد الاجتماعي في سوريا، فإن النظام الحاكم فعل الأسوأ، حين لجأ إلى الميليشيات الطائفية لكي تكون ظهيرا لجيشه، أو لتقاتل بدلا من ذلك الجيش.

ومثلما استقبلت سوريا داعش وسواه من التنظيمات الإرهابية القادمة من كل مكان في الأرض وهي التنظيمات التـي لا تعـرف من سوريا سوى فوضاها، فإنها استقبلت، أيضا، حزب الله اللبناني وسواه من الميليشيات الشيعية التي اختصرت سوريا بكيلومتر مربع يقع عليـه ضريح السيدة زينب.

هي حرب الغرباء في ما بينهم، فيما الشعـب السوري يقف مسلوب الإرادة في منطقة القتل التي صار الغرباء أنفسهم يحـددون مساحتها، والتوقيت الذي تسخن أو تبـرد فيه.

لذلك بدا الرئيس السوري يائسا مـن إمكانية أن يكون هناك حل سياسي لأزمة بلاده. ذلك لأنه يدرك أن القتلة في كلا الجانبين لم يحضروا لأسباب سياسية.

ليس بشار الأسد وحده من يسوق إيران في المزاد الإقليمي، فهناك من يتحدث عن ضرورة عقد لقاء إيراني-سعودي للتفاهم على أسس لحل الأزمة السورية. وهو اقتراح لا يساوي السعودية بإيران فحسب، بل وأيضا يجد لإيران مسوّغات لتدخلها المباشر في الحرب.

وكما أرى فإن وضع إيران قوة إقليمية شيء، ومشاركتها في الحرب السورية شيء آخر. يخطئ الكثيرون حين يصنعون معادلة قوامها القوة الإقليمية وحق تلك القوة في التـوسع والتمدد. فإيران القوية يجب ألا تقوم على أساس انهيار جيرانها.

لا يملك الرئيس السوري الكثير من الوقت لكي يعيد النظر في حساباته، غير أن ما هو مؤكد أن الرئيس الذي يقر بحق دولة أجنبية في التدخل في شؤون بلاده، لن يكون مؤهلا لحكم تلك البلاد.

كاتب عراقي

8