الغربة العائلية

الأحد 2016/09/25

لا يكفي أن نعيش تحت سقف واحد حتى يدّعي كل منّا أنه يعرف الآخر، وكم طالعنا الإعلام بقصص غريبة حصلت في الأسر التي اعتقد الوالدان أنهما يعرفان كل شيء عن أولادهما؟ فإذا بهما يُصعقان بتصرفات لم يكن الوالدان أو حتى بقية الأسرة تتوقع تلك التصرفات. وأحب أن أعطي بعض الأمثلة التي كنت شاهدة عليها ومُقربّة من تلك الأسر.

1 - أحد الشبان وهو في السابعة عشرة من عمره وطالب في الشهادة الثانوية ومجتهد ويرغب أن يحقق مجموعا يخوله دخول كليه الصيدلة، ووالداه مثال الوالدين المُضحيين المُحبين، وكانا يدخلان في جمعيات مالية ليتمكنا من دفع ثمن الدروس الخصوصية لابنهما، ولا يبخلان عليه بشيء حتى أن هاتفه الخلوي أحدث بكثير من هاتف والديه، واختفى الشاب فجأة دون أن يترك أثرا ممّا تسبب في حدوث زلزال في الأسرة، وبعد بحث يطول شرحه والتحدث مع رفاقه جميعا تبين أنه التحق بجبهة النصرة، ولم يكلف نفسه الاتصال بأهله إلا بعد شهر من هروبه من المنزل.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا: إلى أيّ حد يعتقد الأهل أنهم يعرفون أولادهم؟ وما أدراهم مع من يتواصل هؤلاء الأبناء عبر الإنترنت؟ ولا أنسى تصريح أحد أطباء علم النفس بأنه بالإمكان جعل معظم الشباب يصير داعشيا خلال أسبوعين فقط! إذ لا تكفي التربية بتأمين المأكل والمشرب والدروس الخصوصية للأبناء، فيجب أن يعرف الأهل ما يدور في فكر أبنائهم وطريقة تفكيرهم؟ وكم من أهل ينامون باكرا قبل العاشرة مساء بسبب التعب غير عارفين أن أولادهم يقضون الليل متنقلين بين مواقع التواصل الاجتماعي ومعرضين لغزو رهيب من الأفكار المُضللة والخطيرة. وقد تناولت العديد من الروايات ووسائل الإعلام هذه الظاهرة.

2 - كي لا نكون مثل النعامة تطمر رأسها في التراب كي لا ترى الحقيقة، أحب أن أذكر مئات الحوادث التي شهدتها من خلال عملي الطبي في المستشفى الحكومي في اللاذقية، حوادث يتم طمسها كُليا من قبل الأسرة والمجتمع بأسره كما لو أن هنالك تواطؤا بينهما. وهذه الحوادث هي سفاح القربى، وفي العديد من الحالات التي كان يحصل فيها سفاح قربى سواء أب يعتدي جنسيا على ابنته أو أحد المقربين، كان موقف الجميع الصمت وطمس الحقيقة، لأن الضحية تخسر شرفها وسمعتها رغم كونها ضحية!

في عالمنا العربي تتساوى الضحية مع الجلاد، بل ثمة قانون يعتقد بأنه يحلّ المشكلة حين يُجبر المُغتصب أن يتزوج المُغتصبة أي الضحية. بينما في الإعلام الغربي تُخصص قنوات خاصة مع طاقم من علماء الاجتماع والنفس لدراسة هذه الظاهرة وتقديم الدعم النفسي للفتيات المُغتصبات ومُحاكمة المُغتصب بإنزال أقصى العقوبات به والتشهير به. واسمحوا لي أن أستعمل تعبيرا طبيا لكنه ينطبق تماما على أمراضنا الاجتماعية التي نعالجها بالصمت والكتمان، فالجرح لا يندمل إن لم يُكشف. وأمراضنا الاجتماعية لن تُحل وسوف تظل تنخر وتؤذي أذى رهيبا وسوف تمتد أجيالا إن لم نمتلك الجرأة على مواجهة هذه الأمراض، والأهم إن لم تتغير القوانين! أيّ قانون لا إنساني ولا أخلاقي هذا يسمح للجاني والمُغتصب أن يتزوج الضحية!

وأيضا تغيير العقلية الاجتماعية والتعاطف ومؤازرة الشابة التي تخضع للاغتصاب وليس تجريمها ومساواتها بمغتصبها وتصير غير مرغوبة في سوق الزواج! وللأسف شهدت حالات مُخزية من معرفة الأمّ بأن الأب يغتصب ابنته أو بناته وهي صامته وتتظاهر بأنها لا تعرف لأنه ينفق عليهم وهي عاجزة عن إعالة أسرتها .

3- أظن أن هذه الظاهرة الأكثر شيوعا وهي تعاطي المخدرات بين المراهقين وحتى الأطفال أحيانا، وعادة لا ينتبه الأهل لتغيرات سلوك أولادهم من حيث ضعف التركيز أو تراجع العلامات الدراسية أو السّهو والذهول وكثرة النوم، ويعتبرون تلك المظاهر من مميزات المراهقة، إلى أن تحدث فضيحة كأن ينهار الابن فجأة أو يتم القبض عليه بتهمة التعاطي، عندها نجد الأهل مذهولين ومذعورين ويرددون كالببغاء: لكننا ربيناهم ونربيهم أحسن تربية. وأحسن تربية برأيهم هي الأكل والملبس والدروس الخصوصية والمدارس ذات المستوى الجيد. أما ما يدور في عقول هؤلاء الناشئة وأيّ مؤثرات تؤثّر عليهم في ثورة الاتصالات وعبر الإنترنت فهذه أمور لا تدخل في حسبان الأهل أو يقللون من أهميتها .

لا يكفي أن يعيش الناس، خاصة الأسرة، تحت سقف واحد كي يعرف كل واحد الآخر، معرفة الآخر الحقيقية تكون بالحوار المستمر والعميق بين الطرفين، وكما قرأت في إحدى روايات بالزاك حين كتب عبارة رائعة “صحيح أن المسافة بيني وبينك عشرة سنتمترات لكن الحقيقة تفصلني عنك أميال”.

كاتبة من سوريا

21