الغربيون لا يقرأون

الجمعة 2015/11/20

في عام 1947 كتب المفكر الفرنسي ميرلو – بونتي كتابا مهما عنوانه “الإنسية والإرهاب” قال فيه “إن الليبرالية الغربية مؤسسة على العمل الإجباري في المستعمرات وعلى الحروب…”، وفي عام 2002 كتب مفكر فرنسي آخر وهو جان بودريار كتابه “روح الإرهاب” كتعقيب على أحداث 9/11 في أمريكا وقدم فيه هذا الاعتراف “عندما ترى الثقافة الغربية كل قيمها مطفأة واحدة بعد أخرى فإنها تنسحب إلى داخل نفسها بطريقة سيئة جدا. إن موتنا هو انقراض وإبادة، إنه ليس رهانا رمزيا”.

وفي حوار طويل مع المفكر الألماني يورغن هابرماس قال “نحن في الغرب نعيش بسلام في مجتمعات غنية ولكنها تحتوي على العنف البنيوي الذي اعتدنا عليه إلى حدّ ما مثل عدم المساواة الاجتماعية غير المدركة، والتمييز المخزي، والتفقير المعدم والتهميش”.

إنه يبدو واضحا أن الأوروبيين/ الغربيين لا يقرأون مثل هذه الانتقادات التي يوجهها مفكروهم للمصادر الغربية الأساسية التي أسست ولا تزال تؤسس وتفعَل مختلف أشكال ثقافة العنف المادي والرمزي في داخل مجتمعاتهم والتي نقلت في زمان الاستعمار إلى فضاءات أخرى في المعمورة والتي تنقل الآن إلى نفس الفضاءات في صور متعددة أبرزها رعاية الأنظمة المستبدة في بلدان العالم الثالث على حساب شعوبها المقهورة، وتوظيفها لتحقيق نفوذها ومصالحها.

إنه جليّ أيضا أن الأوروبيين/ الغربيين لا يريدون أن يفهموا وأن يقبلوا أن واقع مجتمعاتهم ما بعد الاستعمارية، التي هي من اختراعهم، هي مجتمعات متعددة الثقافات والديانات ولم تعد بمجتمعات أوروبية/ غربية تعودوا على إلصاق لاصقة النقاء العرقي والثقافي والديني والاجتماعي بها .

إن عدم قراءة الغربيين لما ذكر سابقا يمكن لنا معاينته في خطابات اليمين الفرنسي/ الغربي برمته الذي لا يزال متشبثا بأذيال الثقافة والذهنية والممارسات العنصرية ضدّ الأجانب بشكل عام وضدّ جاليات أبناء شمال أفريقيا بالجملة بشكل خاص.

إن هذا اليمين المتطرف يعتقد واهما أنَ أمَ المشكلات في المجتمعات الأوروبية/ الغربية تتمثل أساسا في وجود جاليات شمال أفريقيا (الجزائر والمغرب وتونس بشكل خاص) على أراضيها، ولقد ظهر هذا الاعتقاد مجددا في صورة شعارات عنصرية وتحريضية مافتئ يرفعها كعادته داعيا إلى الترحيل الجماعي للجاليات المسلمة بالقوة وإسقاط الجنسية الفرنسية عن أفرادها وذلك إثر العدوان الإرهابي الغاشم والمرفوض الذي نفذته شلَة إرهابية عدوانية ضد المواطنين والمواطنات الأبرياء في العاصمة الفرنسية باريس، علما أن هذه الشلة المعتدية لا تمثل مواقف وممارسات هذه الجاليات المسالمة ومبادئ الثقافة والحضارة الإسلاميتين الإنسانيتين بأي شكل من الأشكال.

كاتب من الجزائر مقيم بلندن

15