الغرب أحسن استغلال الإسلاميين لتطويع عنفهم في مشروعه الاستعماري

الأربعاء 2015/01/21
الإسلام السياسي الشيعي يعد من منفذي سياسة تقسيم المنطقة بممارساته الطائفية التصفوية

تونس - ليس هناك شك في أن الإسلام السياسي أصبح واحداً من الأيديولوجيات في العالم العربي خلال الوقت الحاضر، ليس فقط كلاعب سياسي، ولكن كباثّ لسموم خطاب ديني وسياسي واجتماعي وثقافي، ينهل من أفكار قادته المؤسسين ومن جميع حركات العالم الإسلامي التي نقلت أفكارهم وطوّرتها حتى تكون مُلائمة للوضع الراهن وللسياسة الغربية التي أحسنت استغلال إرهاب الإسلام السياسي.

بعد ثورات الربيع العربي 2011، برز دور الإسلام السياسي كبديل أيديولوجي للأنظمة السابقة التي لم تتميّز بملامح فكرية واضحة، لتلبسها الحركات الإسلامية عبر مضخّات إعلامية قوية ومدعومة، لباس العلمانية، رغم أن تلك الأنظمة لم تكن فعلا علمانية على مستوى نفاذ القوانين والمنظومات الأخلاقية العرفية. وبالوسائل نفسها، قدمت تلك الحركات الإسلامية نفسها للشعوب العربية المعنية بما سمي الربيع العربي، على أنها المنقذ من الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية التي مرت بها خلال فترة تواجُد الأنظمة الحاكمة، رغم الاختلاف الجوهري أحيانا الذي يمايز بين الحركات الإسلامية في كل من مصر واليمن وتونس والمغرب والجزائر وصولا إلى العراق وإيران.

ومع ذلك كان الهدف مشتركا بين جميع الحركات في دول الثورات، وهو قيام مشروع سياسي يقوم على الشرعية الدينية يدمج بين الإسلام كدين والسلطة السياسية كإدارة للدولة، وتطويع كمّ هائل من التراث الديني من التأويل القرآني والتفسيرات الأيديولوجية للشريعة الإسلامية للهيمنة على الجماهير. وفي هذا الإطار، يقول سالم عبدالجليل، الوكيل السابق لوزارة الأوقاف المصرية لشؤون الدعوة إن “الإسلام السياسي يمثّل تعبيرا عن وجود اتجاه فكري وسياسي داخل الحركة الإسلامية، ولكن قادة هذا الفكر فشلوا في محاولة إعادة بناء الخطاب الإسلامي بشكل وسطي أمام الغرب، وبالتالي أصبح تيار الإسلام السياسي مركزا للشتات الفكري والرؤية المتناقضة في الفكر والأهداف”.

ويشير سالم عبدالجليل إلى أن حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، تزعم أنها متسقة فكريا، ولكن الواقع يقول إنها متباينة على كافة الأصعدة والتوجُّهات، ودلّل على كلامه بحركة حماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان، والجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر، أو حتى النظام الجمهوري الإسلامي في إيران، ويرى أن جميع هذه الحركات لديها خيارات أيديولوجية مُتعددة في الإسلام السياسي، ويتجلى أيضا في الخطاب الإسلامي، لكنها قد تشترك فقط في سلسلة من العناصر الأساسية التي تربط بين مفاهيم الدعوة من وجهة نظر أخلاقية حول الإصلاح الإسلامي، إلا أنها تتبنى فكرا مُتشددا يعكس نظرة سوداء حول مفهوم الإسلام الحقيقي.

الوضع الاقتصادي والاجتماعي واليأس والجهل من أهم العوامل أيضا في انتشار التطرف والإرهاب

إن العنصر الأيديولوجي هو القاسم المشترك في خطاب الأحزاب والحركات الإسلامية التي ترغب في السلطة، والتي ترى أن الدين هو السبيل الوحيد لإخضاع الشعوب، أو لإضفاء الشرعية على النظام السياسي، مع التأكيد على العنصر الأخلاقي والاجتماعي، باعتباره المحور الرئيسي للعمل السياسي.

وقد أتقنت الحركات الإسلامية بترسانة من الشيوخ والمراجع الموهومة التي صنعتها وسائل الإعلام الموجهة والممولة، مهمّة نقل الخطاب النظري الديني إلى جملة من القواعد المستحدثة في تفاصيل السلوكات الحيايتة، وتطويع مقاصد الشريعة إلى إرادة سياسية أفقدت تلك المقاصد عمقها ومتانتها، فأسقطها خطاب شيوخ الحركات الإسلامية في المجال السياسي اليومي والمتعلق بالإدارة وإدارة الدواليب.

ويوضح سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، مسألة خيار العنف الذي يعد أبرز مثال في تشويه حقيقة الشريعة وربطها بالسياسة، قائلا إن الهجوم الإرهابي المروّع على المجلة الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو”، أثار مرة أخرى سؤالا حول ارتباط العُنف بالإسلام، لاسيما أن كل حادث إرهابي في الغرب يكون مصحوبا بشعارات وتعابير إسلامية، مثل “الله أكبر” أو “النصر للإسلام”، للاحتفال بعنفهم الدموي، وأضاف الهلالي قائلا “للأسف يكون الإسلام والمسلمون هم الضحايا”.

ويؤكد الهلالي أن العديد من القادة المسلمين وعلماء الدين في جميع أنحاء العالم، استنكروا الهجوم على المجلة الفرنسية، لكن لا يزال العديد من الحكَّام والحكومات الإسلامية يحاولون استغلاله لأسباب أنانية. واستنادا إلى استطلاعات الرأي العام، فإن العوامل الرئيسية التي ساهمت في نمو التطرف والإرهاب، وجود سياسة قمعية داخل الدول العربية والإسلامية، وغلو خطاب التعصُّب السلفي على حساب الخطاب المعتدل. وهنا شدّد الهلالي على أهمية أن يتخذ علماء المسلمين خطوات ملموسة ومُحددة من أجل تحييد هذه العوامل وتصحيح مفهوم الخطاب الديني الوسطي.

الإسلام الحركي أتقن تطويع التراث الديني لصالح تكتيكاته السياسية الطامعة في السلطة بتعسف وعنف

وفي الساحة السياسية الداخلية، يقود القمع والفساد والبطالة ونقص التعليم والفقر والظروف الصحية السيئة، إلى إدراك المدخل الأسلم لعلاج ظاهرة الإرهاب وإمكانية اتخاذ خطوات ملموسة نحو التطرف. إذ تشير الإحصائيات إلى ارتفاع معدل البطالة الذي يتراوح بين 25 و50 بالمئة في معظم البلدان العربية والإسلامية، وهو ما خلق نفورا وغضبا بين الشباب اليائس والدولة، وقد يجد الشاب نفسه جنديا في المنظمات الإرهابية، بما في ذلك الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، أو بين صفوف تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية وغيرها من التنظيمات المسلحة.

وقد أظهرت استطلاعات الرأي العام في الدول العربية والإسلامية، أن السياسات الأميركية تجاه العرب والمسلمين خلقت بدورها شرخا خطيرا بين الولايات المتحدة الأميركية والعالم الإسلامي، لاسيما أنه بات ينظر إليها، أميركا، بأنها تحارب الإسلام خاصة بعد كل ما قامت به من غزوات منها احتلال العراق في العام 2003، الذي أصبح مرتعا لإيران، بالإضافة إلى موقفها الداعم لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهو ما دفع جميع الحركات الإسلامية المتطرفة لإعلان “الجهاد” ضد الغرب وضدها (أميركا) وذلك لخلق صراع موهوم بين الغرب “المستعمر” وجهاديين إرهابيين عوض أن تكون المعركة الحقيقية بين التوق إلى التحرر الوطني واستعمار إمبريالي.

وقد أكد عديد الباحثين في الحركات الإسلامية أن الجماعات الرئيسية التي تتبنى الفكر الجهادي، ليس مستبعدا أن تكون مدعومة بشكل أو بآخر من الأميركان نفسهم، لتأييد تعلّة الغرب في السيطرة على العالم، وهي محاربة للإرهاب في إطار سيناريو “صنع العدو وملاحقته”.
13