الغرب بين وقف خطر الدولة الإسلامية والتورط مع نظام بشار

الأحد 2014/08/24
مقتل الصحفي الأميركي جيمس فولي على يد "داعش" طرح خيار التدخل العسكري في سوريا

لندن - عملية "قطع الرأس" الأخيرة التي نالت من الصحفي الأميركي جيمس فولي على يد ملثّم من أتباع تنظيم الدولة الإسلامية المعروف إعلاميا بـ”داعش”، وما أثير حولها من جدل تعددت ثناياه وانكشفت معه تصريحات ومواقف جديدة صدرت عن عديد الأطراف الدولية، فتحت المجال أمام سيناريوهات متعدّدة لأساليب وطرق التعامل التي يمكن توخيها مستقبلا لمجابهة هذا التنظيم، الذي يزداد نفوذا وعتادا وخطرا يوما بعد يوم، في كلّ من سوريا والعراق.

الوقت الذي أضاعه الغرب في علاقة بالأزمة السورية والتمدد غير المسبوق لتنظيم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، حدّ الإعلان عن قيام “دولة الخلافة”، أضحيا اليوم يهددان بتغير جيوسياسي عميق في منطقة الشرق الأوسط وما سينجرّ عن ذلك من تأثير سلبي على المصالح الغربية وحياة الشعوب التي تدفع وحدها ثمن هذا الصراع الذي بدأ يأخذ أشكالا أكثر عنفا ودموية.

وبالنظر إلى هذا التهديد العابر للحدود، الذي تجلّى في أحلك صوره غداة حادثة قتل الصحفي الأميركي، تعدّدت التصريحات والمواقف التي تطالب بكفّ هذا الخطر الداهم، واختلفت بين؛ مُطالبٍ بتدخل عسكري في سوريا لتضييق الخناق على التنظيم الذي يعتمد على امتداده السوري كملاذ آمن، ورافضٍ لهذه الفرضية لما تحمله في تفاصيلها من لبس يمكن أن يبلغ حدّ التعاون مع نظام بشار الأسد المتسبب الرئيسي في حالة الفوضى التي تعيشها المنطقة، وداع لدعم الائتلاف السوري المعارض وتسليح المعارضة “المعتدلة” التي خفت دورها نسبيا.

في هذا السياق، قال لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي، الجمعة، إنه لا يحبذ توجيه ضربات لـ”الدولة الإسلامية” في سوريا، مشيراً إلى أن بلاده مع دعم المعارضة المعتدلة فيها.

وفي تصريحات لقناة (BFM) التلفزيونية الفرنسية، أوضح فابيوس أن تنظيم “الدولة الإسلامية” تهديد للمنطقة وأوروبا والعالم، وهو “يتمتع بقسوة شديدة وغايته إقامة خلافة والقضاء على كل من يخالفه في الفكر”، مشيراً إلى أنه “لا يحبذ” توجيه ضربات للتنظيم في سوريا، دون أن يبدي الأسباب.

لوران فابيوس: "فرنسا مع دعم المعارضة المعتدلة في سوريا، وقد سبق أن دعمناها بالأسلحة"

وأضاف أنّ فرنسا مع دعم المعارضة المعتدلة في سوريا، لافتاً إلى أن الأسلحة التي أعلنت باريس، الخميس، عن إرسالها إلى المعارضة السورية لم تقع بيد من وصفهم بـ”الإسلاميين".

ورأى الوزير الفرنسي أنه بالإضافة إلى قتال “الدولة الإسلامية” فإنه في الوقت نفسه يجب قطع جميع المساعدات والتمويل عنه.

وردا عن سؤال حول مصادر تمويل التنظيم وهل هي معروفة ليتم قطعها، أجاب فابيوس بالقول “لسنا سذّجا.. لدينا بعض المؤشرات”، لكنّه لم يوضحها أو يلمح إليها.

في ذات السياق، قرر الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، الأسبوع الماضي، إرسال أسلحة إلى أكراد العراق، الذين يحاربون تنظيم “الدولة الإسلامية”، بحسب ما أعلنه بيان صادر عن قصر “الإليزيه” الرئاسي.

هذا الموقف الفرنسي، الرافض للتدخل العسكري في سوريا، وجد صداه لدى الجهات الرسمية البريطانية التي أعربت عن ذات الموقف على لسان وزير خارجيتها فيليب هاموند، الذي كان قد استبعد في تصريحات له إقامة أيّ نوع من التعاون مع نظام الأسد من أجل التصدي لتنظيم الدولة الإسلامية، معتبرا أنّ إقامة تحالف مع نظام الأسد “لن يكون أمراً عملياً أو حكيمًا أو مجدياً".

وأضاف هاموند قائلا: “لا أعتقد أن فتح حوار مع نظام الأسد يمكن أن يحقق تقدما في القضية التي ندافع عنها” في المنطقة.

من جهتها، أسقطت ألمانيا حظرا فرضته على نفسها بعد الحرب العالمية الثانية يقضي بعدم إرسال أسلحة إلى مناطق الصراع بقرارها مشاركة بريطانيا وفرنسا في تسليح القوات الكردية، رغم أنه لم يتضح بعد شكل المساهمة الألمانية.

في هذا الإطار تجدر الإشارة إلى أنّ القوات الكردية التي تحارب قوات الدولة الإسلامية في العراق، كانت قد تلقت دفعات من الدعم اللوجستي والأسلحة من قبل عدد من الدول الغربية على رأسها واشنطن وفرنسا وبريطانيا وألمانيا.

كما أنّ الطائرات الأميركية تشنّ منذ أسبوعين، ضربات جوية “محدودة” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” شمالي العراق، وذلك لوقف تقدم التنظيم باتجاه أربيل، عاصمة إقليم شمال العراق، و”حماية المصالح الأميركية” هناك.

هذا ويعتبر مراقبون أن تنامي المخاوف الغربية من الدولة الإسلامية يثير الجدل بشأن السياسة تجاه سوريا في ظل تراجع دور المعارضة السورية المعتدلة التي كان الغرب ينوي التعامل معها ضد المتشددين الإسلاميين والممثلة عسكريا بالجيش السوري الحر.

وفي سياق الحديث عن علاقة “محتملة” بين الغرب والنظام السوري، وفق التطورات الحاصلة في ظل تفشي تنظيم الدولة، أوضح عضو الإئتلاف السوري المعارض بسام يوسف في تصريحات صحفية، “أنّه لا يعتقد أن يستعين الغرب بالأسد في مواجهة داعش”، لكنه أضاف “أنّ الوضع الراهن المتأزّم، والذي يتميّز بتنامي خطر الدولة الإسلامية وارتفاع نسبة التهديد الذي أضحت تمثّله على الجميع، قد يعيد صياغة بعض العلاقات الغربية مع إيران، خصوصا في ما يتعلق بملفها النووي”، مشيرا إلى “أنّ تنظيم الدولة الإسلامية ورقة بيد طهران وليس بيد النظام السوري”، لافتا، في ذات السياق إلى أنّ الغرب على دراية تامّة بأنّ النظام السوري يعدّ مختبرا أساسيا لتصنيع الإرهاب ونشره في المنطقة".

من جهة أخرى، وفي موقف مخالف لما سبق، أعلن بعض السياسيين الأوروبيين أنّ “الوقت قد حان لنقل القتال إلى سوريا حيث قاعدة قوة التنظيم وللعمل حتى مع بشار الأسد على الرغم من إدانة نظامه”. حيث قال مالكولم ريفكيند، رئيس لجنة المخابرات والأمن في البرلمان البريطاني: “أحيانا تضطر للاتفاق مع شخص بغيض للتعامل مع أناس أكثر بغضا".

واستطرد قائلا: “إذا كان الأميركيون جادين في قولهم إنهم يريدون القضاء على (الدولة الإسلامية) في سوريا وكذلك في العراق فليس بالإمكان تحقيق ذلك بالضربات الجوية وحدها، بل يتطلب الأمر وجود قوات على الأرض".

وألمح الجنرال مارتن ديمبسي، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، من جهته، إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية سيظل يمثل خطرا إلى أن يصبح غير قادر على الاعتماد على ملاذات آمنة في سوريا.

موقف آخر يتنزّل في هذا السياق، صدر عن وزير الخارجية الهولندي، فرانس تيمرمانز، يفيد بأن قتال المتشددين في الدولة الإسلامية لا يمكن أن يأتي ثماره إلاّ إذا امتدت مواجهة الجهاديين إلى سوريا بجانب العراق.

حيث قال تيمرمانز: “كل من يدعو حاليا لاتخاذ مسار أكثر حزما ضد الدولة الإسلامية في العراق يجب أن يدرك أنه سينجح فقط إذا كان مستعدا للقتال ضد هذا التنظيم في سوريا أيضا".

بتسليح المعارضة السورية "المعتدلة" ودعم الأكراد في العراق يمكن أن تقع محاصرة التنظيم وبالتالي القضاء عليه، دون التورط في وضع اليد في يد نظام بشار

وأضاف: “إذا لم نفعل ذلك لن يكون لأيّ تحرك أيّ فائدة لأن (التنظيم) سينتقل ببساطة إلى سوريا، ولن تدوم الحلول في العراق إذا لم نجد حلا لسوريا".

لكنّه في المقابل دعا إلى تقديم المزيد من الدعم الغربي للأكراد والجماعات المقاتلة الأكثر اعتدالا نسبيا في سوريا التي تسعى للإطاحة بنظام بشار الأسد، في تناغم مع الموقفين الفرنسي والبريطاني.

وفي ظل تعدد السيناريوهات المحتملة لمواجهة خطر “داعش” ومحاولة القضاء عليها، وما أعلنت عنه هذه الاحتمالات من تباين في وجهات النظر الغربية خاصّة في ما يتعلق “بربط صلات مع نظام الأسد” قصد محاربة تنظيم الدولة الإسلامية داخل الأراضي السورية من أجل السيطرة الكلية على مناطق نفوذه وإغلاق جميع الأبواب أمام تغوله وتمدده الذي يزداد يوما بعد يوم خاصة وقد تمكن من طمس الحدود السورية العراقية، يرى مراقبون أنّ الموقف الفرنسي والبريطاني الذي تدعمه ألمانيا ربّما يكون الأقرب والأسلم لتحقيق الأهداف المرجوة.

فبتسليح المعارضة السورية “المعتدلة” ودعم الأكراد في العراق يمكن أن تقع محاصرة التنظيم وبالتالي القضاء عليه، دون التورّط في وضع اليد في يد نظام بشار المتورط الأساسي في حالة الخراب التي تعيشها المنطقة، وهو الذي يبحث عن قشة يتمسّك بها ليُضفي “شرعية مزعومة” على ما تبقى من نفوذه.

4