الغرب والإسلام السياسي

الاثنين 2015/12/28

لم تخل العلاقة بين الغرب والإسلام السياسي من التباس، وقد أثار هذا الالتباس هواجس نظرية المؤامرة وتسبّب في حالة من التشويش الذهني. غير أنّ المشكلة لا تتعلق بطبيعة العلاقة ذاتها لكنها تكمن في طبيعة العقل القارئ لهذه العلاقة.

عادة ما نميل إلى التبسيط والاختزال طمعا في تفسير يسهل حفظه ويتيسّر ترديده. وهذه هي الخدمة التي تقدمها كافة الأيديولوجيات سواء الوضعية أو الدينية أثناء مقاربة مسائل الفقر والبؤس والظلم والاضطهاد. غير أن الظواهر في كنهها لا تقبل التبسيط ولا الاختزال.

وهذا ما يستدعي من العقل أن يتمرّس على ما يسميه إدغار موران بالفكر المركب. دعنا نسميه بالتفكير متعدد الأبعاد ومتعدد المرجعيات. وفي كل الأحوال، أظن بأنّ هذا النمط من التفكير هو المطلوب الآن.

لقد وظّف الغرب الرّأسمالي ورقة الإسلام السياسي أثناء الحرب الباردة في مواجهة المعسكر الشيوعي “الملحد”، دون أن يعني ذلك أنّ الغرب الرّأسمالي هو الذي أوجد ورقة الإسلام السياسي، أو صنعها بيديه، أو خلقها من العدم، أو أنه استطاع أن يتحكم فيها تحكما مطلقا.

إن الاعتقاد بوجود قوة سياسية تصنع ما تشاء وتتحكم بنحو مطلق في بعض الظواهر، ليس أكثر من تعبير لا شعوري عن بقايا الرّؤية السحرية للعالم. وبكل تأكيد، كيفما كانت قدرة الغرب الرّأسمالي على توظيف ورقة الإسلام السياسي إلا أن تلك الورقة تبقى ورقتنا نحن بالذات، إنها كشف حسابنا في الحساب الأخير.

في نهاية الحرب الباردة وانهيار المعسكر الشيوعي، لم يكن سهلا ولا ممكنا التخلص من الإسلام السياسي باعتباره ذخيرة منتهية الصلاحية. فقد بقي هذا الإسلام السياسي، في المنشط والمكره، وعلى مدى العقدين الماضيين، يمثل القوة السياسية الأولى في معظم البلدان ذات الأغلبية المسلمة. أكثر من ذلك، استطاع أن يسوق نفسه كنوع من البديل السياسي عن أنظمة ما بعد الاستعمار. هكذا، بصرف النظر عن مخاطره إلا أن الإسلام السياسي كان يمثل في نظر القوى العالمية فرصة أيضا، وعلى هذا الأساس وقعت عليه ثلاثة رهانات افتراضية:

أوّلا، قد يكون الإسلام السياسي غطاء مقبولا لتمرير بعض مقتضيات الحداثة إلى المجتمعات الإسلامية: حيث ساد الاعتقاد بأن الأفكار الحداثية التي ترفضها الشعوب الإسلامية قد تغدو مقبولة إذا تم تغليفها بغلاف ديني. وإذا كان الأمر كذلك، فربما ينجح الإسلام السياسي في تمرير بعض مقتضيات الحداثة بنحو أكثر سلاسة مما قد تفعله القوى اليسارية والليبرالية والتقدمية.

ثانيا، قد يكون الإسلام السياسي حليفا ثوريا ضدّ الإمبريالية: وهذا هو رهان الكثير من القوى اليسارية الغربية المناهضة للرأسمالية، والتي حاولت بدرجات متفاوتة، توظيف الإسلام السياسي لغاية تمرير بعض الأفكار التقدمية تحت غطاء ديني، على منوال “لاهوت التحرير”.

وقد كتب الزعيم اليساري البريطاني كريس هارمن عام 1994 مقالا مرجعيا شهيرا بعنوان “النبي والبروليتاريا”، حاول من خلاله صياغة معادلة يسارية واضحة في التعامل مع الإسلاميين: “نكون معهم عندما يكونون في المعارضة، نكون ضدهم عندما يكونون في السلطة”.

ثالثا، قد يكون الإسلام السياسي شريكا في بناء الديمقراطية: هكذا كان رهان المحافظين الجدد منذ البداية (في التسعينات من القرن الماضي)، والذين يستندون إلى تصور يزعم بأن العلمانية القائمة على نسبية القيم لا تمثل ضمانة قوية لبناء الديمقراطية؛ فالحرية في نظرهم لا تتجذر إلا إذا جعلها الإنسان ضمن مكونات عقيدته الدينية. ومعلوم أن المحافظين الجدد -وهم حلفاء إسرائيل- قد قاتلوا طويلا لأجل انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

مع انفجار التطرّف الجهادي والتكفيري في الثمانينات، بدا للكثيرين كأن الإسلام السياسي “المعتدل” يمثل طوق النجاة باعتباره الأقدر على احتواء وتطويع منظومة التطرف وسحب البساط من تحت أقدامها. في هذا السياق الاستراتيجي أنيطت بقطر وتركيا مهمة العمل على “تهذيب” الإسلام السياسي لكي يصبح أداة فعالة للمصالحة بين الحداثة والإسلام. وبصرف النظر عن انعدام الديمقراطية في قطر، فإن قناة الجزيرة التي ساهم في تمويلها بادئ الأمر يهوديان فرنسيان من أنصار السلام (ديفد وجان فريدمان)، استطاعت أن تقدم وجها مقبولا لإمارة تتبنى رسميا المذهب الوهابي لكن في نسخة قد تساهم في “تهذيب” المذهب و”ترويض” الحركات الجهادية.

أما عن تركيا فقد نجح إسلاميو ما بعد أربكان في تسويق صورة إسلام حداثي يوحي بأنه قادر على إلهام كافة الإخوان المسلمين. وكان هذا رهانا كبيراً.

لكن المحصلة في الأخير أن مآلات ما سمي بالرّبيع العربي قد عصفت بجميع الأوراق على حين غرة، وظهر أن الرهان السياسي على احتواء التطرّف الديني من داخل منظومة الإسلام السياسي لم يكن رهانا موفقا.

فبدل أن يفلح الإسلام الإخواني في احتواء الإسلام التكفيري وقع العكس، إذ أن الإسلام التكفيري هو الذي تغول وابتلع معظم فصائل الإسلام السياسي، كما حدث في مصر وليبيا وسوريا واليمن.

طبعا وجب الاعتراف بأن البدائل المرجوة غير قائمة، أو ليس بعد. فاليسار لم يتخلص من لغة الخشب، ولعله يحتاج إلى أكبر قدر من الانفتاح على الفكر السياسي المعاصر، والعلمانيون لن يحققوا شيئا في غياب الإصلاح الديني الذي لا يهتم به سوى القليلين، إلاّ أننا دخلنا منذ الآن في بداية منعطف حاد نحو معطيات جديدة ومن ثم رهانات مغايرة وخيارات مختلفة. هذا شبه مؤكد الآن. أما من كان يُردد جهارا نهارا بأنّنا بين خيارين إثنين لا ثالث لهما، إما الاستبداد وإما الإسلام السياسي، فإنه مجرّد بوق لأحدها.

في حركة التاريخ ليس هناك إما وإما، في حركة التاريخ هناك في كل لحظة ألف مآل ومآل. قد تكون بعض المآلات كامنة في تفاصيل لا ينتبه إليها الكثيرون، وقد تكون ضحية تعتيم يمارسه إعلام تحريضي أو إعلام لا يكترث بغير عناصر الفرجة.

لذلك قلنا في البداية: نحتاج إلى تفكير متعدد الأبعاد، متعدد المرجعيات، ومتعدد المستويات.

13