الغرب والتيارات الإسلامية.. عناق المظلومية والرهان الخاطئ

مع تصاعد جموح التيارات الإرهابية اليوم، عادت بعض القراءات إلى بحث التحالف القديم بين التيارات الإسلامية التي عُدّتْ معتدلة، وبين الغرب. تحالف انطلق من مقاربات مضللة وغير وجيهة؛ رهان غربي على تيارات إسلامية معتدلة لوقف الإرهاب من ناحية، وانقضاض الجماعات الإسلامية على مسوغات الرهان الغربي بتضخيم المظلومية من ناحية ثانية. رهان خاطئ ساهم مع غيره من العوامل في هندسة المشهد الراهن.
الاثنين 2017/04/24
الشعب المصري وقف على حقيقة الرهان الغربي للإخوان

الإسلاموية هي أيديولوجية سياسية حديثة طورتها جماعة الإخوان المسلمين المصرية في العشرينات من القرن الماضي، وهي منفصلة عن العقيدة الإسلامية، ويتمثل هدفها الرئيس في فرض دولة إسلامية مرتكزة على تفسير انتقائي أحادي براغماتي للإسلام. مع العُنف بوصفه ركيزة تقوم عليها هذه الدولة، ووسيلة مقدسة تقود إليها، فهو الوسيلة الضرورية لخلق هذه الدولة التي تصورها الإسلاميون.

لم يتبن الباحثون الغربيون وصانعو السياسة وحدهم هذه النظرة حول العنف الإسلامي، بل من المسلمين من يؤيدهم حينما يجعل الإسلام السياسي دعوة إلى اجتراح دولة بالقوة وإقامة سلطة دينية استبدادية تفرض تفسيرا مبتسرا للإسلام؛ ويُحمّلوا أبا الأعلى المودودي مسؤولية كبيرة في هذا الصدد، ويستخلص من كتاب الهضيبي “دعاة لا قضاة” أنّ آراء المودودي هي التي تسببت في الاغتيالات والإرهاب في مصر وغيرها من البلاد العربية.

ويُفسّر ذلك بتحويل المودودي الإسلام كله إلى عملية سعي إلى سلطة وفق أيديولوجية متطرّفة، فيُنقل عن المودودي قوله “العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج، ليست من مقاصد الدين الإسلامي، وإنما القصد منها الحصول على السلطة والاقتدار، والمقصد منها إقامة الحكومة”، ويوضح ذلك باستشهاد يقول فيه المودودي “المقصد الحقيقي من الدين هو السلطة، أي الحكومة. فليس هناك عمل موصل إلى رضاء الله بعد الغفلة عن هذا الغرض، وحصول هذا الغرض يتوقف على قوة اجتماعية، فمن أخلّ بها ارتكب جريمة عظيمة لا يمحوها الإقرار بالتوحيد وإقامة الصلاة، ومن دون الأمور السياسية ومن دون الحكومة لا تقبل صلاة ولا صيام ولا عبادة ولا توحيد”.

استطاع الإسلاميون ترويج مأساتهم مع الأنظمة القمعية، فكان من الطبيعي أن يلفتوا أنظار الدول المكافحة للإرهاب

يرى المحللون من داخل التيارات الإسلامية أن تيار العنف دخل إلى العمل الإسلامي بسبب الصبغة السلفية المُحتكرة لطريق النجاة؛ وأن روحها الإقصائية على الصعيد العقدي والفقهي هي التي أنتجت موجة عنف التسعينات التي كانت ذات صبغة سلفية. يُقدر الغرب أنّ دراية التيارات الإسلامية، المتحررة نسبيا من السلفية كالإخوان، بالشأن الإسلامي وخبرتها به، تجعلها تستطيع المُساهمة في مكافحة الإرهاب، وتضع لها “دورا في مكافحة الإرهاب تحت عنوان إسلامي” مقابل ما تطلق عليه “عجز الأنظمة”، وعدم قدرتها على مكافحة الإرهاب؛ وكانت الإدارة الأميركية في عهد إدارة الرئيس جورج بوش الابن تتخذ موقفا مشابها، وظهر هذا التوجه مصاحبا لعملية الشرق الأوسط الكبير.

فمن وزيرة الخارجية كونداليزا رايس إلى “المنظّر” ريتشارد هاس مدير إدارة التخطيط السياسي بالوزارة نفسها، راح الجميع يؤكدون “أنّ الولايات المتحدة لا تخشى وصول تيّارات إسلامية إلى السُّلطة، لتَحُل مَحل الأنظمة القمعية العربية التي تتسبب بتكميمها الأفواه في اندلاع أعمال الإرهاب، شريطة أن تصل عن طريق ديمقراطي وأن تتبنى الديمقراطية وسيلة للحكم”.

وهنا تغليب لمحور دعم الديمقراطية على حساب تجفيف منابع الأيديولوجيا الإسلامية، ودعم لمسيرة الإصلاح ولو بالتعاون مع الإسلاميين، باعتبار أن القمع والتضييق اللذين تقوم بهما الدول الشرق أوسطية هما منشطان ومحفزان رئيسان للإرهاب ودافعان له، فعدد الإرهابيين الذين يخرجون من الدول العربية التي تنخفض فيها معدلات الحريات السياسية، يدعم حقيقة أن لجوء السلطة إلى القمع والتضييق قد يكون سببا في وقوع جزء من الشعب في ممارسة الإرهاب.

استطاع الإسلاميون ترويج مأساتهم مع الأنظمة القمعية، حتى بدا أن لا أحد غيرهم تم قمعه، فكان من الطبيعي أن يلفتوا أنظار الدول المكافحة للإرهاب، التي لا تزال تعاني حساسيات مع التيارات الفكرية اليسارية، ربما تعوق التعاون بينهم، وهو سبب آخر يقوي من نصيب الإسلاميين في التعاون.

استراتيجية "المنع" البريطانية فشلت بشكل أساسي بسبب توظيف الهيئات الأمنية في المملكة المتحدة محاورا رئيسا بين المجتمعات المسلمة والحكومة البريطانية

يبدو أنّ اعتماد الدول المُكافِحة للإرهاب على الإخوان مصدرا للمعلومة الاستخباراتية، أضرّ كثيرا بالقراءة السليمة للحالة الإسلامية، وتسبب جهل الغرب بالتركيبة الأيديولوجية للإسلام السياسي بخطأ الرسالة في عنوانها وفي مضمونها أيضا. يقول الباحث في علم مكافحة الإرهاب ماجد نوّاز “إنّ استخدام تيّار ديني لكبح جماح التطرّف، حاول الإسلاميون وغيرهم استخدامه، حينما لمحوا إلى أنّ الطريقة الأكثر فعالية لمنع العنف هي تمكين الإسلاميين الذين لا يعتمدون على العنف”.

وطغى على السطح مصطلح “إسلامي معتدل”، وهو ما يعتبره فوّاز “محض خداع”؛ ويُعلل ذلك بأنّ أكثر الإسلاميين اعتدالا يلتزم أيديولوجية تتعارض تماما مع القيم الغربية، مثل تلك المنصوص عليها في الدستور الأميركي. ويشير إلى ملاحظة بالغة الأهمية “على الرغم من أنّ ليس جميع الإسلاميين جهاديين إلا أن كل الجهاديين إسلاميون. بل حتى أكثر الإسلاميين اعتدالا يعززون بيئة فكرية توجد فيها حكومات غير إسلامية، أو حكومات إسلامية بصورة غير كافية، تكون هي ومواطنوها في انتهاك للقانون الإسلامي، ويجب معارضتهم”. ومن هنا كانت النظرة المهمة التي تميز التيارات المؤهلةَ لتوليد إرهاب وعنف يُلغيان الآخر، ويبقيانها هي فقط، وينبه الباحث إلى الفرق البين بين “الإسلامي” و”المتدين” و”المحافظ”، معتبرا التدين الشخصي لا يساوي اعتناق الأيديولوجية السياسية للجماعات الإسلامية.

هذا التوصيف الدقيق يعتبره عصيا على أفهام الحكومات الغربية، حتى تلك الجادة في اتخاذ تدابير حقيقية لتجفيف الأصولية ومظان التطرف، وهو ما حدا به إلى القول “وبينما تتخذ الحكومات تدابير لمكافحة التحول الراديكالي، يوجد القدر نفسه من الأهمية لتعبئة الوكالات غير الأمنية كفهم الإسلامية بوصفها أيديولوجية. فاستراتيجية ‘المنع” البريطانية فشلت بشكل أساسي بسبب توظيف الهيئات الأمنية في المملكة المتحدة محاورا رئيسا بين المجتمعات المسلمة والحكومة البريطانية”. ويعلق على ذلك “إن هذا (بجانب مشكلات الاندماج القائمة) قد أعطى انطباعا بأن الحكومة البريطانية كانت مهتمة بالمجتمع المسلم فقط لأنه يُنظر إليه بوصفه مصدرا لتهديد أمني”.

المقال ملخص مِن بحث عمر البشير “التصوف والإرهاب”، ضمن الكتاب السابع والخمسين (سبتمبر 2011) “الصوفية المعاصرة في إيران وأفغانستان والعراق والمغرب والسودان” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13