الغرب والشعوب الأخرى

الخميس 2013/10/10

منذ أن أصبح سيد العالم، وذلك انطلاقا من القرن الخامس عشر، والغرب يبهر ويخيف الشعوب الأخرى. يتساوى في ذلك الصينيون واليابانيون والهنود والعرب والأفارقة السود وغيرهم. وجميع هذه الشعوب سعت، ولا تزال تسعى إلى الاقتداء به خصوصا على المستوى العلمي، والتكنولوجي الذي بلغ فيه درجات مدهشة. وأغلب الثورات التي اندلعت في الفضاءات غير الغربية، استلهمت شرعيتها من فلسفة الأنوار، ومن الثورة الفرنسية (1789).

وعندما شعر الغرب أنه أصبح متفوّقا على بقيّة الشعوب الأخرى، بسط نفوذه على القارتين الآسيوية والأفريقية، مبيحا لنفسه استغلال ثرواتهما بشكل فاحش، ومنكلا بشعوبهما، دائسا على القيم الحضارية والإنسانية التي كان يتبجح بها، وزاعما أنه حارسها الأمين. غير أن الاحتلال لم يمنع نخب البلدان المستعمرة من أن تتأثر بالجوانب التنويرية في الفكر الغربي، ومن الدساتير الحامية لحقوق الإنسان، وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، لتقود الثورات والنضالات المريرة من أجل الاستقلال.

لم يكن الزعماء الوطنيون الكبار في الهند من أمثال غاندي ونهرو، والأفارقة مثل سنغور، وهوفوات بوانيي، وكوامي نكرومه، والعرب من أمثال بورقيبة، والبعض من قادة الثورة الجزائرية، والرئيس المصري الراحل عبدالناصر يخفون انبهارهم بالغرب وبحضارته، وبتقدّمه الصناعي والتكنولوجي.غير أن انبهارهم ذاك لم يمنعهم من التنديد بالجوانب المظلمة والسيئة في سياسة الغرب تجاه الشعوب المولى عليها. ولم تتمكن الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا ليمتد لهيبها إلى الصين وإلى بلدان أوروبا الشرقيّة، وأميركا اللاتينية من أن تقلص القدرات الهائلة التي يمتلكها الغرب الرأسمالي لإبهار الشعوب الأخرى.

وعندما انهار جدار برلين عام 1989، والذي أعقبه تفتت ما كان يسمى بالاتحاد السوفيتي، ليذوب نهائيا جليد «الحرب الباردة» بين المعسكر الاشتراكي، والمعسكر الرأسمالي، شعر الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأميركية أنه أصبح من جديد سيد العالم.

وقد اتضح بالدليل أن الشعوب التي عاشت عقودا طويلة في ظل أنظمة شيوعية، لم تتأثر بالقيم الاشتراكية، بل كانت في جلها تتطلع إلى حياة لا تكاد تختلف في شيء عن نمط الحياة في البلدان الرأسمالية. وعلينا ألا ننكر أن الرأسمالية الغربية لا تزال تبهر كل شعوب الأرض، ولا تزال الحداثة بحسب النمط الغربي تفتن النخب حتى في البلدان التي لا تزال تعيش التخلف والاستبداد.

وفي العالم الإسلامي، تشن الحركات الأصولية معارك ضارية ضد «الغرب الكافر»، وتقترف أعمال العنف بهدف زعزعة استقراره، غير أن ذلك لا يمنعها من إظهار رغباتها الجامحة في امتلاك ما ينجزه الغرب في المجال العلمي والتكنولوجي. وهذا ما تسعى إليه إيران التي يحكمها رجال الدين منذ أكثر من ثلاثة عقود. لكن كيف نفسر موجات العنف والغضب ضد الغرب، والتي تبرز بين وقت وآخر في كل من أفريقيا وآسيا، وفي مناطق أخرى من العالم؟

ذلك هو السؤال الذي طرحه مؤخرا المفكر الفرنسي كلود غيبو. وهو يجيب على هذا السؤال قائلا بأن انتفاضات الغضب والعنف التي تنفجر ضد الغرب تعود إلى أن كثيرا من الشعوب اكتشفت، أو هي بدأت تكتشف الجوانب المعتمة والسلبية في الغرب وحضارته وسياساته. والغرب بالنسبة لهذه الشعوب كائن مغرور وأناني يريد أن تكون الحرية والديمقراطية، والرفاهّة الاقتصادية له وحده، حارما الشعوب الأخرى من هذه النعم. وهذا ما يفسر تدخله السافر في الشؤون الداخلية للعديد من البلدان حين يشعر أن مصالحه فيها، أو في البلدان المجاورة لها باتت مهددة.

ويرى كلود غيبو أن الغرب، بسبب شعوره المتعاظم بالقوة واعتداده بنفسه، أصبح شديد الغطرسة بحيث لم يعد قادرا على تلمس حقائق الواقع. وهذا ما أبرزته الولايات المتحدة في تدخلها العسكري في العديد من البلدان. وتقول حقائق الواقع العالمي الجديد حسب غيبو أن الحداثة الغربية أصبحت تحول كل من يعارضها، أو يسعى إلى مقاومتها إلى «شيطان شرير» يتحتم القضاء عليه. كما أنها تتجاهل الأسئلة الخطيرة التي تعري سطحيتها وخواءها.

ويعتقد كلود غيبو أن الغرب بات «متعبا» وعاجزا على أن «يشع» لكي يكون نموذجا يحتذى به مثلما كان حاله من قبل. ويضيف قائلا: «إذا ما كان الغرب يعاني من أزمة في الوقت الراهن، فلأنه كفّ عن أن تكون له القدرة على النقد الذاتي التي كان يمتلكها في السابق». كما أن الغرب بحسب رأيه، قطع مع الفكر الغربي النقدي الكانطي (نسبة إلى كانط) مغلقا بذلك على نفسه الأبواب والنوافذ ليعيش التذبذب والتردد والحيرة أمام ما يجد في العالم من أحداث.

ولعل ذلك يساعدنا على تفسير مواقفه المتناقضة والمتغيرة تجاه ما يجد في العالم العربي على مدى الأعوام الثلاثة الماضية. فهو يعلم مثلا أن الحركات الأصولية في مصر وتونس وليبيا واليمن مناهضة له، على الأقل على المستوى الخطاب السياسي والإيديولوجي. كما أنها نفذت العديد من أعمال العنف ضد مصالحه في مناطق مختلفة من العالم. مع ذلك هو يساندها، ويطالب خصومها بالتحاور معها.

وهذا ما يذكرنا بالخطأ الفادح الذي ارتكبته البلدان الغربية في الثلاثينات من القرن الماضي عندما قللت من خطر النازية من خلال «معاهدة ميونيخ» التي أعطت لهتلر الضوء الأخضر ليغزو النمسا وتشيكوسلوفاكيا ثم فرنسا مفجرا الحرب الكونية الثانية. والمساندة التي يظهرها الغرب للحركات الأصولية تبرز أنه ليس مهتما بالديمقراطية في البلدان العربية بقدر ما هو مهتمّ بإبعاد مخاطر الإرهاب الأصولي عن شعوبه وعن مصالحه.


كاتب تونسي

9