الغرب والمثقفون العرب

الثلاثاء 2017/04/25

احتلت ثلاثة بلدان أوروبية عالمية مكانة في تشكيل الوعي العربي منذ عصر النهضة العربية وحتى الآن على اختلاف المكانة ودلالاتها، هذه البلدان هي فرنسا وبريطانيا وروسيا.

يشير العنوان “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” للطهطاوي إلى معنى باريس في وعي العربي المصري آنذاك. إن في باريس ذهباً خالصاً. منذ عصر النهضة العربية وحتى الآن وباريس منبع الفكر التنويري للعرب. ولهذا حضر ديكارت وروسو ومنتسكيو وفولتير وكونت وبرغسون وسارتر وفوكو وهيوغو ولامرتين وأندريه جيد وأناتولي فرانس. وليس هذا فحسب بل إن رواد الانفصال عن الدولة العثمانية عقدوا مؤتمرهم في باريس عام 1913.

لقد ترجم محمد محمود الخضيري كتاب ديكارت “مقال في المنهج”، وعلاقة كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” بديكارت معروفة، كما هو معروف أثر أوغست كونت في محمد حسين هيكل وأثر سان سيمون في فكر سلامة موسى، و أثر أندريه جيد وبرغسون في رؤى ميشيل عفلق. ومن ذا الذي ينكر تأثير سارتر على الوجوديين العرب. وحسبنا أن نذكر هنا كتاب رئيف خوري “الفكر العربي الحديث: أثر الثورة الفرنسية في توجيهه السياسي والاجتماعي” الذي أصدره المؤلف عام 1943.

أما بريطانيا، فحسبنا أن نعرف أن الكثير من النخب العربية الأكاديمية قد تتلمذت في الجامعات البريطانية، ولن ننسى في هذا الصدد المفكر اسماعيل مظهر الذي درس في أكسفورد وترجم “أصل الأنواع” لداروين، والفيلسوف الوضعي زكي نجيب محمود والمؤرخ الفلسطيني نقولا زيادة، وآخرين كثر. بل إن أثر الداروينية في الفكر العربي الحديث لا يقل عن أثر الديكارتية والسان سيمونية. أما روسيا فيجب أن نذكر ميخائيل نعيمة وبندلي الجوزي وكلثوم عودة ثم الرعيل التالي الذي درس في بلاد السوفييت والذي عاد مشبعاً بالماركسية السوفييتية التي شهد انهيارها أمام عينه.

والحق أن باريس ولندن وموسكو عواصم مازال يعيش فيها عدد كبير من الفاعلين الثقافيين.

وإذا كانت باريس ولندن بمثابة مكانين آمنين يحققان الحرية للكثير من المفكرين والشعراء والنقاد وواحتين يجد فيهما العربي حرية التعبير عن آرائه، فإن موسكو مازالت تضم أصحاب الأيديولوجيا الشيوعية بحكم الحياة الطويلة التي قضوها هناك.

والحديث عن باريس ولندن وموسكو ليس نفياً لأثر برلين التي شهدت هي الأخرى رحيلاً إليها طلباً للعلم والمعرفة، ومن لا يخطر بباله فيلسوف التاريخ قسطنطين زريق والشاعر السوري الذي مازال يقيم في ألمانيا عادل قرشولي.

ويبدو لي أن الغرب مازال لدى عدد كبير من التائقين إلى الحرية مكاناً مقصوداً وملاذاً آمناً لمن أراد الحضور كما يريد.

لقد كانت القاهرة يوماً من الأيام عاصمة الثقافة العربية بلا منازع ومكان إنتاج العدد الأكبر من النخب العربية الأكاديمية وغير الأكاديمية قبل أن يأتي عليها الْمُلْك الجائر. وكانت بيروت حاضنة المتمردين المبدعين قبل أن يدمرها الوسخ التاريخي، وكانت دمشق المعشوقة الآسرة لكل المثقفين العرب قبل أن يطعن قلبها الطاغية الأشر. كيف تستعيد هذه العواصم أرواحها؟

هو ذا بالأصل سؤال الربيع العربي.

كاتب فلسطيني مقيم في الإمارات

14