"الغرب يكرهنا" ثم ماذا بعد

السبت 2014/02/08

القول إن “الغرب يكرهنا” ليس مجرد قولٍ ظرفيٍ عابرٍ في ثقافتنا السائدة، بل إنه حكم يحتل موقعا فريدا في الخطاب الثقافي والسياسي العربي، وربما يكون مؤسسا للكثير من مآلات ما جرى ويجري في سوريا وغيرها من الدول العربية، وإذا كان يحق لنا وصفه بالسذاجة، فذلك لأن كرها كهذا لا يُفسِرُ شيئا في الثقافة والسياسية، وإنما يلزم تفسيره ثقافيا وسياسيا في حال وجوده.

ولكن رغم سذاجة فهم كهذا، فإنه لا يكون مجرد حكم إطلاقي ساذج عندما يرد على ألسنة سياسيين ومثقفين حزبيين وقادة رأي، بل هو موقف تبريري مضلل يتم استخدامه للتعمية على الحقيقة، حقيقة الفشل والعجز، وحقيقة الرغبة في تأبيد الطغيان، وربما يكون نظام الأسد الذي لا يكف عن التمسح بالغرب تحت ذرائع محاربة الإرهاب وحماية المسيحيين والأقليات من أكثر الأنظمة استخداما لمفاهيم مضللة كهذه، أليس الأسد نفسه هو من قال في واحد من خطاباته في العام الأول من عمر الثورة السورية: “إن الغرب يكرهنا، ليس الحكومات فقط، أتحدث عن المجتمع، أنا عشت بينهم في بريطانيا وأعرف ذلك جيدا”.

إلا أنه وكما برر الأسد لأنصاره مساندة الغرب المفترضة “للمسلحين الإرهابيين” بكراهية الغرب لنا، يبرر نطاق واسع من مناوئيه عدم تدخل الغرب لإيقاف عنف نظام الأسد بالكراهية نفسها، فالغرب “يتآمر” على العرب والمسلمين تاركا إياهم تحت رحمة الآلة العسكرية للنظام في سوريا لأنه يكرهنا، لا شيء آخر، لا شيء فوق أو تحت، ولا شيء قبل أو بعد.

الحقيقة أن ثمة في الغرب من يقف موقف العداء من الإسلام والمسلمين، ويرى في العرب والمسلمين بشرا أقل حضاريةً، ومن ثم أقل حقوقا أيضا، ومما لاشك فيه أن ثمة خطابا استشراقيا يتكثف من استعمال تعبيرات تبدأ بارتباط الشرق بالجواري والعبيد، وتنتهي بتصورات عنصرية تتحدث عن غياب العقلانية في الشرق ومركزية العقل الأوروبي، وثمة أيضا تلك السياسات التي لا ترى في الشرق إلا أرضا للمصالح الاقتصادية بما يقتضي بقاء عجلة الإنتاج والتقدم متوقفة فيه.

رغم كل ما تقدم، فإنه ليس ثمة معنى حقيقي من الذهاب في رحلة لاستكشاف حقيقة المشاعر المتبادلة بين الغربيين من جهة، والعرب والمسلمين من جهة أخرى، ومن الأجدى البحث في كيفية نشوء وتغير تصورات الجماعات البشرية عن بعضها بعضا في الغرب والشرق، وفي كل مكان.

على أي حال فإن كثيرا من الغربيين يحملّون العرب والمسلمين مسؤولية هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ذلك على النحو نفسه الذي يحمل فيه كثير من السوريين الغربَ مسؤولية ما جرى ويجري في سوريا. فلندع إذن تصورات الجماعات البشرية عن بعضها جانبا ولنتحدث في التوظيف السياسي لهذه التصورات، التوظيف الذي تجلى عند جورج بوش الابن في تبريره لحروبه في الشرق، ويتجلى عند الأسد وخصومه أيضا في سياق الثورة السورية.

العرب والمسلمون “قتلةٌ وحاقدون يريدون تدمير الحضارة الغربية”، هكذا تم تبرير إرسال الجيوش الأميركية إلى أفغانستان والعراق، والغرب “يتآمر على سوريا المقاومة”، هكذا يتم تبرير الحرب المفتوحة على “عملاء الغرب في الداخل” من وجهة نظر نظام الأسد وحلفائه، والغرب “يكره العرب والمسلمين” ولا يريد للسوريين حياة أفضل، هكذا يتم تبرير فشل المعارضة السياسية في تسليح الثوار، أو في فتح ممرات إنسانية.

تصلح ذريعة كراهية الآخرين في تبرير كل شيء، الاستبداد والحروب والتخلف، وأيضا الفشل السياسي وتوريط الجيوش في مستنقعات الغزو، وهكذا فلأن “الغرب يكرهنا” لا يبدو نظام صدام حسين مسؤولا عن تدمير العراق، ولأن “الغرب يكرهنا” لا يبدو نظام الأسد مسؤولا عن تدمير سوريا، ولأن “الغرب يكرهنا” لا تبدو المعارضة السورية مسؤولةً عن الفشل حتى في إدخال الغذاء إلى المناطق المحاصرة. وهناك في المقلب الآخر، لأن “المسلمين يكرهون الغرب” تم تدمير برجي التجارة، وسيقَ آلاف الشبان الأميركيين إلى حتفهم في العراق وأفغانستان، ويتم دائما استهداف المصالح الغربية في بلاد المسلمين. تتعلق السياسة بالربح والخسارة والمصالح، ولا تتعلق بالمشاعر التي تكنها الشعوب لبعضها بعضا، ويقع على عاتق النخب التي تقود الجماعات البشرية وحدها توظيف السياسة في خدمة شعوبها، وأما التذرع بكراهية الآخرين لنا فهو موقف مقترن بتبرير الحروب الفاشلة، وتبرير السياسات الفاشلة، وتبرير الطغيان.

ربما يكفي أن نقول إن الجماعات البشرية كلها تحمل في ثنايا ثقافاتها تصوراتٍ بائسة وعنصرية عن الجماعات الأخرى، هل يجب أن نذكِّر هنا بما يصم به كثير من أبناء مكونات المجتمع السوري بعضهم بعضا؟ لا يتعلق الأمر إذا بوجود تصورات أو حقائق تفضي إلى القول بكراهية أبناء الجماعات البشرية لبعضهم، بل يتعلق بإدراك الفارق بين العمل على معالجة هذه التصورات والحقائق في الثقافة والسياسة، وبين استخدامها في السياسة على حساب الثقافة، وعلى حساب حرية البشر وحياتهم وتقدمهم.


كاتب سوري

9