الغرف الفارغة

الأربعاء 2014/07/09

كم هو صعب وشاق أن نستضيف الآخرين في قلوبنا..

أن نشيد لهم الأماكن ونؤثثها بالحب والاهتمام والتفقـد.. أن نختارهم دون سواهم.. ليكونوا الأقرب والأهم.. نصطفيهم لأفراحنا وخيباتنا.. نختار أن نبوح لهم ونسرّهم ويسروننا.. فنفهمهم دون سوانا حين نحسّ أنهم يفهموننا.. نربّتُ على كتفِ قلقهم.. ونمسّد جبين تفاصيلهم.. نشاطرهم الذكريات ونتبادل الحكايا.. ومن أجلهم نرخص الوقت والراحة والمال.. فنميل لما يحبون.. ونغالي فنحب أسرهم وأهلهم وأصدقاءهم.

ولتكن المسميات ما تكن: صلة.. صداقة.. علاقة.. اقترابا.. قرابة.. أخوة.. جيرة.. وأيضا.. حبا أو عشقا أو انتماء.. أو.. وجدا وتوحدا.. كلها مسميات تتخذ من غرف القلب أماكن لها.. وتشغل مساحات من وقت وتفرغ وانشغال والتزام يتعدى الواجب في أغلب الأوقات..

نفعل كل ذلك دون حسابات أو تفكير أو طمع في مقابل.. أو بحث عن استثمار لأجر وثواب في الآخرة.. فدافعنا الأول والأخير هو الحب.. ومساحات قلوبنا التي يشغلها الآخرون هي التي تنوب عنا بالتصرف..

فما أصعب وما أقسى ألا نجد من نحب.. حين نتعب نحن!

هل سألت نفسي يوما هذا السؤال: وماذا عني أنا؟.. لماذا أفعل كل ذلك دون تردد.. وحين أتلفت حولي ولا أجد من أحب يوجعني قلبي؟ فتبدو غرفه المزدحمة بهم فاغرة الأبواب مندهشة، إذ ترنو إلى الحياة حولها ولا تجد فيها سوى غرف فارغة مثل بيت هجره أهله بعد حرب ضروس؟

أنا لم أقصف أحدا منهم بقاذفات غضبي!.. ولم أرجم المخطئ بحجر اللوم والتوبيخ.. كنت فقط أحب.. وأعطي بلا حساب! فما الذي أتوقعه من الآخرين؟ لماذا أبكي حين آن أواني أنا؟ ولماذا صرت أبحث عن قيمة وتقدير لما فعلت؟ هل هو قلبي الذي أوجعني؟ أم هو عطائي؟ أم هو حبي لهم؟..

وهل هذه هي الخيانة؟ لطالما كنت أجد خيانة الحبيب مبررة!.. لكنني لم أجد حتى الآن تبريرا يقنعني بخيانة الصديق.. بتخليه عني وخذلانه وقت شدّتي.. أما حين يكون الحبيب صديقا وأبا وأخا وكل الناس في آن.. فإن خيانته هي أشبه بخيانة الوطن.. وإن هي إلا “خيانة عظمى” .. لا تغتفر ولا يمكن أن يلحقها عفو أو مرحمة!

فهل سيكون علي أن أتعلّم تشذيب عواطفي وعطائي خشية ألا أخان؟ وخوفَ ألا أتألم؟ ولماذا كلما واجهني غدرٌ جديد أبقى أصدم من جديد ولا أصبح أقوى؟ لماذا لا يكون الغدرُ مثل إبر التطعيم.. نأخذها في الوريد مرة واحدة.. فنكتسب مناعة طوال أعمارنا.. ولا تكسرنا الصدمات؟

ها أنني كلما واجهتني خيبة صديق.. أو خذلان حبيب.. رحت أبكي كل الخيبات والخسارات السابقات مرة واحدة!.. أستعيدها مثل محطات وشمت ذاكرتي وجسدي.. ومهما نضجَتْ تجاربي لم ولن أتعلم فن النسيان.. ولم ولن أتقن متعة التبلّد!

هل سيكون من الأرحم أن نأخذ دون عطاء؟ وألا نعطي، مثلاً، قبل أن نأخذ؟ وهل يمكننا أن نتدرب على هذا الفن أيضا؟ وهل حين نكبر تكبر فينا أوجاعنا وذكرياتنا وخيباتنا وخساراتنا.. مثلما يكبر عطاؤنا؟

ولكن.. ماذا عن الصدمات؟ هل يمكننا أن نربي لا اُباليتنا فتكبر معنا.. هي الأخرى؟

20