الغرف المهنية في المغرب تمرين في أفق الانتخابات التشريعية

الأحد 2015/08/16

خضعت انتخابات الغرف المهنية الأخيرة في المغرب لعدد متنوع من القراءات، انطلاقا من زوايا نظر مختلفة للقوى السياسية المشاركة في هذا الاستحقاق الانتخابي أريد لها أن تؤطر تلك القراءات وتبرهن على سلامة نتائجها بغية تحقيق أهداف تعبوية أو سياسية بحسب أصحاب تلك القراءات وخاصة منهم الأحزاب المنخرطة في العملية الانتخابية وعدد من المراقبين الذين حاولوا تقييم العملية الانتخابية في ضوء مدى اندراجها في إطار تحوّل سياسي في المشهد السياسي المغربي أو اعتبارها مجرد عملية لا تضيف شيئا إلى الممارسة السياسية في المغرب.

وفي سياق هذه القراءات يمكن الحديث عن أربعة أنواع رئيسية:

أولا، قراءة تقوم على عقد مقارنة بين انتخابات عام 2009 والانتخابات الحالية للوقوف عند مدى تقدم أو تراجع تأثير هذا الحزب أو ذاك داخل قطاع الغرف المهنية وهو ما قام به حزب العدالة والتنمية الذي احتل المرتبة السادسة في الانتخابات الأخيرة مؤكدا أن الأهم بالنسبة إليه هو مضاعفة النتائج المتحصل عليها في الاستحقاقات السابقة حيث انتقل من 81 مقعدا إلى 196 مقعدا.

ثانيا، قراءة أعطت الأولوية لترتيب الأحزاب وموقعها داخل الأحزاب الثمانية الأولى ومحاولة استخلاص نتائج بعينها من هذا الترتيب تقدما وتراجعا وهنا تمّ التركيز على احتلال حزب الأصالة والمعاصرة للمرتبة الأولى واحتلال حزب الاستقلال المرتبة الثانية وهما حزبان معارضان يمكن لهما أن يلعبا دورا متميزا في خرائط توزيع القوى السياسية في مختلف الاستحقاقات المقبلة متى تمت المحافظة على هذا الزخم الانتخابي.

ثالثا، قراءة حاولت اعتماد نتاج انتخابات الغرف المهنية لوضع تصورات حول اتجاهات الوزن السياسي للأحزاب المتنافسة في أفق الانتخابات الجماعية والجهوية المقبلة في محاولة منها وضع تصوّر لطبيعة نتائجها أولا ومدى تأثيرها في تحديد معادلات وتوازنات مجلس المستشارين المقبل باعتباره محصّلة نهائية لمجموع نتائج مختلف المراحل الانتخابية لهذه السنة كما يحدد ذلك دستور عام 2011.

رابعا، قراءة ركّزت على أن كل الانتخابات في المغرب تظل غير ذات تأثير كبير في تحديد اتجاهات المسار الديمقراطي لاعتبارات متعددة يعود بعضها إلى طبيعة القوى المتفاعلة على الساحة السياسية المغربية من حيث كونها غير معنية جميعها على الأقل بضرورة تمكين المغرب من تجاوز النظرة الضيقة لمختلف المتنافسين القائمة على إعلاء شأن تحقيق المصالح الحزبية أو ربما الشخصية الضيّقة كما تشي بذلك مختلف الممارسات غير الديمقراطية في خضم التنافس الانتخابي على المقاعد في مختلف مؤسسات التمثيل السياسي المحلي والجهوي والوطني كم تدل على ذلك عمليات شراء الأصوات ومحاولة التلاعب أو التأثير غير المشروع في اختيارات الناخبين.

وفي الواقع، فإن كل أداء انتخابي يحمل معه، وفي طياته، عددا من السلبيات بسبب طبيعته الاستثنائية، والتي يمكن القول إنها تشكّل مرحلة حصاد ملموس لما تم زرعه في مناخ اجتماعي وسياسي يتسم بالحركية الفائقة خلال مراحل الإعداد الأخيرة للعمليات الانتخابية.

وفي هذا السياق الاستثنائي تتغير فجأة لغة الخطاب السياسي للأحزاب والمنظمات المتنافسة فتغادر بسرعة، ودون مقدمات مقنعة في كثير من الأحيان، طابعها السياسي الهادئ لتكتسي نبرة حادة في التعامل مع الخصوم والمنافسين السياسيين قد تصل في بعض الأحيان إلى مستوى من الإسفاف والتدني يلامس السباب والشتم وغياب القيم المؤطرة للخطاب السياسي الحقيقي والمنتج للقيم العليا رغم التصاقه بتحقيق المصالح الفئوية للقوى المتصارعة في نهاية المطاف.

كما أن المتنافسين على المقاعد قد يلجأون، وكثيراً ما فعلوا في مختلف الاستحقاقات الانتخابية، إلى استعمال المال في شراء الأصوات مستغلين فقر وحاجة المواطنين وعدم وعي عدد منهم بأهمية التنافس الانتخابي في تكوين النخب على المستويات المحلية والجهوية والوطنية، وفي تحديد مصير الوطن تقدما وإيجابا على اعتبار أن نزاهة العمليات الانتخابية شرط ضروري لخلق مناخ يزدهر فيه الخطاب السياسي ذي المستوى الراقي، كما أنه شرط وضع قضايا الوطن على مستوى التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على رأس قائمة أولويات النخب المدبرة للشأن العام على هذا المستوى أو ذاك.

وبطبيعة الحال فإن الحرص على الإدلاء بالأصوات لمن هم أهل لها يعد مقدمة ضرورية لبناء مجتمع ديمقراطي حقيقي. ولا يغير من هذه الحقيقة كون المغرب يتوفر على ترسانة قانونية ورقابية هامة في مجال محاربة الغش الانتخابي بمختلف أشكاله وكونه حدد مساطر دقيقة إلى كبير لتقديم الطعون والمطالبة بإعادة النظر في بعض نتائج العمليات الانتخابية متى توفّرت لدى الجهة الطاعنة في النتائج الدلائل والحجج العينية المعززة لمطالبها لدى المحاكم المختصة.

غير أن ما لا ينبغي تناسيه هو حقيقة أنه عندما يسود منطق الربح السريع تنفتح مختلف أبواب الغش والتدليس المباشرة وغير المباشرة ذلك أن مختلف القوى الراغبة في تحقيق مكاسب مربحة من العمليات الانتخابية قد تلجأ إلى أساليب متعددة تتسم بالفعالية الضرورية في تحقيق النتائج المتوخاة، رغم كونها تتسم بأكثر من شائبة وعيب على المستوى القيمي والأخلاقي كما هو شأن عدم التردد في استعمال المال لاستمالة الناخبين وتوسل أساليب نشر الإشاعات المغرضة في حق المنافسين السياسيين إلى درجة يمكن فيها التعرض لأعراضهم في ممارسات غير أخلاقية تحطّ من قدر الممارسة السياسية وتساهم في تمييع خطاب القوى المتصارعة وانفلاته من جلّ الضوابط المفترض فيه أن يلتزم بها وفي مقدمتها النزاهة وممارسة التنافس الشريف.

ومن نتائج سيادة مثل هذا الخطاب غير الخاضع للضوابط تعميم تصور لدى المواطن العادي مفاده أنه لا خلاف ولا تباين بين الأحزاب السياسية المتنافسة إلا من حيث اختلافها على طرق وأساليب الاستيلاء على غنائم الانتخابات والسيطرة على مقدرات الشعب وفي هذا دفع قوي لأوسع فئات الشعب إلى تعميق ما تعتبره بمثابة قناعة لديها بلا جدوى الانتخابات. وبالتالي، ترجيح كفة العزوف السياسي وتبخيس كل العمليات الانتخابية حقها وهذا يشرع الكثير من الأبواب أمام مختلف أشكال الفراغ السياسي الخطير على المجتمع رغم توفّره على مؤسسات منتخبة على مختلف المستويات على اعتبار عدم التناسب بين ما يعتمل في أعماق المجتمع من تصورات وهواجس وبين طبيعة الممارسة السياسية لتلك المؤسسات التي يتم النظر إليها بارتياب بهذا القدر أو ذاك.

قدم حزب الاستقلال 1551 ترشيحا، وقدم حزب الأصالة والمعاصرة 1492 ترشيحا، وقدم حزب العدالة والتنمية 1388 ترشيحا، وحزب التجمع الوطني للأحرار قدم 1353 ترشيحا، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قدم 960 ترشيحا، بينما قدم حزب الحركة الشعبية 898 ترشيحا، وقدم حزب التقدم والاشتراكية 640 ترشيحا، أما حزب الاتحاد الدستوري فقدم 612 ترشيحا.

وجاءت النتائج الرسمية على الترتيب التالي: الأصالة والمعاصرة حصل على 408 مقاعد بانتخابات الغرف المهنية، وحزب الاستقلال 351 مقعدا، وحزب التجمع الوطني للأحرار 326 مقعدا، وحزب الحركة الشعبية 20 مقعدا، والعدالة والتنمية 196 مقعدا، وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية 163 مقعدا، وحزب الاتحاد الدستوري 110 مقاعد، وحزب التقدم والاشتراكية 108 مقاعد.

ولعل قراءة بعض قياديي العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة لنتائج الانتخابات من زاوية طبيعة أداء الحزب يعطي فكرة واضحة عن محاولة جدية بهذا الاتجاه لكونها تحاول استخلاص العبر من هذا الاستحقاق وتحديد العوامل التي صنعت النتائج التي حصل عليها. وقد أشارت البرلمانية أمينة ماء العينين بهذا الصدد إلى مجموعة عوامل وخلاصات:

* الاعتراف بعدم التمكن من آليات تدبير الانتخابات المهنية عكس الانتخابات الجماعية والتشريعية.

* قاعدة الحزب من المناضلين مسيّسة ومؤدلجة بشكل واضح، وهو ما يمنحه قوته الضاربة سياسيا وحزبيا لكن الخطاب الانتخابي في الغرف يظل مختلفا، فهو خطاب وظيفي يرتبط بالانشغالات المهنية.

* أدرك الحزب أن قواعده بطبيعتها لا يمكن أن تشتغل على الانتخابات المهنية لكون كتاباته المجالية تستعد نفسيا وإجرائيا للانتخابات العامة بشكل أكبر، لذلك أنشأ هيئة موازية (الفضاء المغربي للمهنيين) للتعامل الوظيفي مع الانتخابات المهنية.

* عكست الانتخابات استمرار نفس الانغلاق لدى الحزب، وهو أمر طبيعي بالنسبة إلى حزب قائم أساسا على فكرة إصلاحية تجمع أساسا المؤمنين بها فكريا وأيديولوجيا.

* ضعف تعبئة أعضاء الحزب للانتخابات المهنية بما يتلاءم مع البناء التنظيمي القويّ للحزب على الجانب السياسي.

* نتائج الانتخابات المهنية وإن كانت لا تستجيب لطموحات شباب الحزب بحيويته، إلا أنها تؤشر لمنحى تصاعدي هام يسلكه الحزب.

ومهما يكن من أمر فإن الانتخابات المهنية رغم أهميتها لا يمكن أن تنبئ عن طبيعة خرائط المستقبل السياسية على المستويات المحلية والجهوية والوطنية وإنما هي نوع من التمرين على الأرض استعدادا لمعارك العام المقبل التشريعية.

كاتب مغربي

6