الغرياني المهزوم يبحث عن نجاة بالتحريض على حفتر

ما يريده الغرياني هو الحفاظ على طابع التطرف والأخونة المنتشر في ليبيا بعد ما عرف بثورات الربيع العربي.
الجمعة 2020/01/10
فتاوى للتأجيج

لم يصدّق الليبيون أن بلدهم سيغرق في فوضى وانفلات أمني لا سابق لهما نتيجة انتشار السلاح والميليشيات وغياب أيّ حكومة قوية قادرة على فرض الأمن والاستقرار منذ أحداث 2011 وما أعقبها.

نجح قادة الميليشيات بالاستعانة بفتاوى شيوخ وأئمة محسوبين على الجماعات المتطرفة في تثبيت نفوذهم داخل البلد الغارق في الفوضى. لم تنجح أيضا أيّ محاولة لبناء نظام سياسي قادر على إنهاء مخلفات الحرب وفوضى الميليشيات التي عززت، بدورها، مكاسبها بفضل سياسات داخلية وخارجية شجعت التنظيمات المسلحة على بثّ الفوضى.

ظهر في ليبيا عقب الإطاحة بنظام معمر القذافي الكثير من الشيوخ والأئمة الداعين إلى التطرف وتغذيته عبر فتاوى تخدم مصالح جماعات سياسية ومتطرفة. كان الصادق الغرياني، مفتي الديار الليبية المقال من منصبه، أحد الأذرع القوية ومن بين هؤلاء الشيوخ الذين يبشرون على الدوام بـ”الجهاد ضد الصليبيين”. لا أحد حتى اللحظة يعرف من هم “الصليبيون”؟

استعاد الغرياني في الفتاوى الغريبة التي داوم على بثها طوال الأزمة الليبية، خطابات وأدبيات غريبة، وعمل على توظيف آيات وسور قرآنية لغايات تدعم خطاب التطرف وتغلّب كفة الاقتتال بدل التصالح، بل سلك طريق التحريض ضدّ دول عربية مختلفة، كان من أبرز ذلك فتواه ضد السعودية والتي تحث “على عدم أداء مناسك الحج والعمرة لأن الأموال ذاهبة للسعودية”.

حاول الغرياني في ظهوره على قناته “التناصح” الممولة من قطر استخدام خطابه التحريضي المعتاد. استنجد بالحرب الصليبية لإثارة نفوس الليبيين ضد الجيش الذي يقاتل بكل قوة من أجل استعادة طرابلس الواقعة تحت سيطرة الميليشيات. اعتبر الغرياني أن الميليشيات تقاتل “حلفا صليبيا صهيونيا”، في محاولة يائسة لحشد الليبيين لأنه يرى أنّ لا مظاهر في طرابلس العاصمة توحي بأيّ تأثر وتأثير للمعارك على مجريات الناس. لا يبدو أن هناك من يهتم بحكومة الوفاق والميليشيات المحيطة بها، وما ظهر من كلام الغرياني أن الجميع يستعجل قدوم الجيش لتحريره من بطش الميليشيات.

الليبيون يعرفون أكثر من غيرهم ماذا يريد الغرياني من ظهوره عند وقوع الأزمات ولصالح من يعمل؟ وما الدافع وراء الفتاوى التي يصدرها بين الحين والآخر؟ ما يريده الغرياني هو الحفاظ على طابع التطرف والأخونة المنتشر في ليبيا بعد ما عرف بثورات الربيع العربي.

تناسى مفتي ليبيا مَن جلب حلف شمال الأطلسي عام 2011 للتعجيل بإسقاط نظام القذافي بدعم مكشوف من قطر ومفتي الإخوان يوسف القرضاوي. الأزمة في ليبيا لا يمكن أن تنتهي من دون التخلي نهائيا عن لغة السلاح وفوضى الميليشيات المتطرفة المنتشرة في أكثر من مكان وعن هؤلاء الشيوخ الذين يفتون بجواز القتل على حرية التعبير والاختلاف والحريات العامة.

حاول الغرياني استخدام خطابه التحريضي المعتاد. استنجد بالحرب الصليبية لإثارة نفوس الليبيين ضد الجيش الذي يقاتل من أجل استعادة طرابلس الواقعة تحت سيطرة الميليشيات

يقول الغرياني لهؤلاء الذين يقاتلون في صفوف الميليشيات “إذا حُرمتم من الجهاد في فلسطين فقد جاءكم إلى بيوتكم”. تجارة من نوع آخر وأدبيات فكرية ودينية موظفة لخدمة أجندات سياسية واضحة. تبرير القتل في الأوطان بحجة الجهاد ضد “أعداء الدين” والاستعانة بالقضية الفلسطينية وبعدها العاطفي في العالم العربي لجلب التعاطف مع تنظيمات وحركات إسلامية أثبتا فشلهما في أكثر من مناسبة.

هناك خلط واضح في الكثير من المفاهيم والخطابات الدينية التي يستخدمها هؤلاء الشيوخ والأئمة دون أي رقيب أو حسيب، يقول الغرياني عن المعركة الدائرة بين الجيش وحكومة الوفاق “إذا ضيقنا عليهم الموت نراهم يرفعون صلبانا”، وكأن الجيش يقاتل ملائكة في طرابلس لم يسرقوا قوت الليبيين ويحرموهم من مقدرات بلدهم الذي جعلوه خرابا ما بعده خراب.

الكثيرون في عالمنا العربي ينساقون دون تفكير وراء ما يسموّنه بـ”العلماء المسلمين”. عن طريق الدين واستغلاله سياسيا نجد أن الفوضى وسيلة الإسلاميين وحلفائهم للسيطرة على أيّ بلد في حال فشلوا في السيطرة عن طريق الطرق الديمقراطية.

والكثيرون أيضا في عالمنا العربي يمرون مرور الكرام على خطب الشيوخ واتهاماتهم وكلامهم وكأن أمرهم “منزل بوحي”، فما جرى ويجري في بعض بؤر التوتر في المنطقة العربية سببه استعادة لمكنونات التاريخ وروايات دينية وإسقاطها على الواقع دون أي تفكير في أضرارها وتداعياتها السيئة على المجتمع.

فلا يجد قادة الجماعات الإسلامية وأحزابها أي حرج في الاستعانة بأدوات وفتاوى تكفيرية ضد الخصوم السياسيين في بلدانهم كلما ضاقت عليهم طرق السياسة وكشف وجههم القبيح. استغلال الدين في السياسة بات في أسوأ الصور بمعارك قادة هذه الجماعات الإسلامية، وعدّ بمثابة تجارة من نوع رخيص يعبّر عن أدبيات وسلوكيات مرسخة منذ زمن.

ولم يترك قادة جماعات الإسلام السياسي الدين جانبا في معاركهم السياسية في بلدانهم. استغل الدين في الكثير من الملفات السياسية لتصفية الحسابات مع الخصوم، واستخدم أيضا كأداة لتكفير الخصوم السياسيين وإخراجهم من “الملة” أو لتبرير أفعالهم وسياساتهم المختلفة. والأمثلة كثيرة في العالم العربي على هذا الاستغلال القذر للدين في معارك السياسة.

في العالم العربي وباختلاف تركيبة بلدانه المجتمعية والثقافية وحسب حجم انتشار الحركات الإسلامية وتصنيفاتها وأنواعها وولائها، أصدر شيوخ وأئمة هذه الحركات الكثير من الفتاوى لتبرير القتل وتنفيذ هجمات إرهابية واغتيالات لشخصيات سياسية وثقافية وعلمية لأنها عارضت أهداف الجماعات الإسلامية وذلك منذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في عشرينات القرن الماضي. وبعد هذه السنوات ماذا جنى عالمنا العربي من هؤلاء غير الفوضى والمزيد من الدماء والتشتت؟ والسبب التوظيف الخاطئ لنصوص الدين التي يتأولها البعض دون علم ومعرفة.

13