الغريزة تنتصر على التاريخ في معرض "الأربعة" التشكيلي

تجارب مصرية تعلي صوت جمالها الخاص منتقلة بين السريالية والتجريب والتلقائية والفانتازيا.
الاثنين 2020/11/09
أعناق طولية ممتدة في الفضاء بشموخ وكبرياء (لوحة لياسر جاد)

تحت عنوان “انتصار الغريزة على التاريخ” افتتح غاليري المشربية بالعاصمة المصرية القاهرة معرضا فنيا حمل عنوان “الأربعة”، مقدّما أربع تجارب فنية مصرية استلهمت مفرداتها التشكيلية من مدارس فنية مختلفة، لتعلي صوت الجمال بطرق مبهجة حينا ومأساوية في أحيان أخرى تقطع مع السائد والمتداول في الشكل الفني الكلاسيكي.

القاهرة – يستمر حتى السابع عشر من نوفمبر الجاري بغاليري المشربية بالعاصمة المصرية القاهرة معرض جماعي لأربعة فنانين مصريين من مدارس فنية مختلفة، هم الفنانة شيماء محمود، والفنان سامي البلشي، والفنان ياسر جاد، والفنان إبراهيم البريدي، منحازين عبر ألوانهم وأشكالهم للغريزة في مقابل التاريخ.

وتقدّم شيماء محمود أحدث تجاربها التي تحمل مضمون “إنهنّ غير أحياء” بأعمال تناقش قضايا المرأة. فترسم بعض بطلات أعمالها في شكلهنّ التقليدي البسيط عبر أسلوب “الديكوباج” أو التزيين والذي يرتبط بتكوين موضوعات من مفردات جاهزة مطبوعة والتفاعل معها بحسها الخاص.

كما رسمت أخريات مبرزة جمالهنّ الأنثوي، بألوان تقليدية وأسلوب حديث في آن واحد مع محاولة توظيف العلامات والكتابات كمفردات مصاحبة للشخصيات النسائية.

وتستعرض الفنانة المصرية الشابة في وحشية بعض بطلاتها حاملات للزهور على رؤوسهنّ وقد سيطر الوشم على أجسادهنّ بخلاف الحيوانات المحيطة بهنّ، التي تأتي في اللوحة رمزا للحرية والانعتاق في استلهام من الحضارة الفرعونية القديمة، فأحيانا تكون النساء حماة الحيوانات وفي أحيان أخرى تكون الحيوانات أوصياء عليهنّ.

وحشية وتجريب

"إنهن غير أحياء" نساء الرماد كما رسمتهن شيماء محمود
"إنهن غير أحياء" نساء الرماد كما رسمتهن شيماء محمود

تنشغل محمود في جل لوحاتها بقضية المرأة من خلال فلسفة عنوانها “إنهنّ غير أحياء” في محاولة لكشف الجوانب السلبية التي تحيط بهنّ عبر تجسيد تلك المعاني في تشكيلاتها وملامحها.

وتختار شيماء اللون الرمادي لطلاء أجساد نسائها وأعينهنّ المفرغة للتعبير عن كونهنّ غير أحياء، وتأتي هذه الملامح بهدف إبراز طبيعتهنّ كرموز للجنس الأنثوي بكل ما يحمله من مشاعر وأفكار وآمال. فالبعض تراهنّ هادئات، والبعض الآخر يشعرن بالخوف، ولكن ما هو واضح هو قوة حسهنّ وحالات عدم اليقين المسيطرة عليهنّ، لذلك تدمج الفنانة مجموعة منتقاة من الرموز والطقوس في هذه المشاهد لإضفاء الحيوية على الشخصيات بالأمل والقوة خلال فترة الاضطرابات التي يعانين منها.

وتستعمل الفنانة قصاصات صغيرة من الورق المنقوش لبناء عوالم بطلاتها اللاتي يبحثن عن حل لقضاياهنّ وكأنهن يردن العيش في مدينة فاضلة تنقذهنّ من التلوّث الذي يواجههنّ.

وتعتبر تلك القصاصات مزيجا من الأفكار التي قامت بخلطها معا لتوحي بأنه يمكن أن تكون الموضوعات والمصادر متباينة، ومقطعة، ويمكن إعادة ربطها بشيء جديد مثل اللوحة نفسها.

ياسر جاد: المعالجات التجريبية تؤدي بلوحاتي إلى نتائج تفوق توقعاتي في بعض الأحيان
ياسر جاد: المعالجات التجريبية تؤدي بلوحاتي إلى نتائج تفوق توقعاتي في بعض الأحيان

والفنانة شيماء محمود محررة صحافية بدأت دراستها للفن بكلية الفنون الجميلة وتخرّجت منها عام 2011، وشاركت في العديد من الورش والملتقيات الفنية بروما من خلال حصولها على جائزة الدولة للإبداع الفني 2014، كما شاركت في العديد من المعارض المحلية والدولية، ولها العديد من المقالات النقدية، وأعمالها مقتناة لدى العديد من الأفراد في مصر والخارج.

ويقدّم الفنان والناقد الفني ياسر جاد في المعرض الرباعي عددا من أعماله الفنية التي تحمل مضامين متنوعة، لكنها أتت في غالبيتها محتفية بالمرأة وجمالها على طريقة النحات والرسام الانطباعي السويسري الراحل ألبرتو جياكوميتي (1901 – 1966)، بأعناقها الطولية الممتدة في الفضاء في شموخ وكبرياء، معلنة وجودها المتمرّد على الأعراف والتقاليد البالية وسط مجتمع ذكوري يرى فيها الأنثى بشكلها المغري فقط، وترى هي نفسها رمزا للاستمرار والديمومة كاملة العناصر، وإن بأنوف طويلة مخالفة للمقاييس الجمالية المكرّسة.

وعن فلسفة لوحاته يقول جاد “تأتي تجربتي التشكيلية بأبعاد رمزية، على الرغم من الصياغات ذات السياق التعبيري، والتي أرى أنها أفضل الأساليب والمدارس التعبيرية في الفنون التشكيلية، لما لها من قابلية ومرونة في المعالجات التقنية المختلفة والمتنوعة سواء تلك التقنيات الكلاسيكية المعهودة، أو تلك المعالجات التجريبية والتي تؤدّي بلوحاتي إلى نتائج تفوق توقعاتي في بعض الأحيان”.

وتبدو جميع موضوعات أعمال ياسر جاد ذات علاقة ببعد إنساني بحت، حتى وإن لم يظهر فيها ذلك العنصر البشري بشكل مباشر أو واضح، وهو يعترف بأن جميع أعماله ذات علاقة تمس ذاته، سواء في تلك الوجوه التي يصادفها في يومياته وتنقلاته ومشوار حياته، أو في تلك الأماكن التي عاش فيها أو مرّ بها أو زارها وأثّرت في نفسه، أو في تلك المفردات والعناصر التي تمثل محطات في مشوار حياته.

وهو يرى أن الفن بشكل عام قد عالج غالبية الموضوعات سواء الإنسانية أو التقنية، ومع ذلك ستظل المعالجات على اختلاف أشكالها هي تلك الأرض البكر التي تتحمل أطروحات الجميع، وهي التي تجعله محملا دائما بذلك الشغف في محاولة إيجاد الجديد من المعالجات سواء الفنية أو التقنية.

ويقول “الفنان الذي لا يعبّر عن ذاته ودواخله وعلاقته المزدوجة بينه وبين نفسه، وبينه وبين محيطه من شخوص وأحداث ومفردات ومناخات وأماكن، هو مجرد حرفي يمارس ما لا يمارسه الفنان الحقيقي، والعمل الفني الذي لا يحمل جينات مبدعه هو عمل ركيك ومزيف ومفتعل، والتجربة الفنية الحقيقية هي تلك التجربة التي دائما ما تتسم بالتجديد ولا تكتفي بالوقوف على حد بعينه، والوسيط والخامة هما مجرد وسيلة لخدمة العمل وتجسيدا لما يدور في دواخل الفنان، وليسا غاية وهدفا المبدع، والعمل الفني الذي لا يحمل رسالة هو مجرد ممارسة غبية أو شكلا من أشكال تفريغ الطاقات النفسية السالبة”.

والفنان ياسر جاد باحث حر في الحركة التشكيلية المصرية الحديثة والمعاصرة من مواليد القاهرة 1969، يعمل كمدير للمتحف الجوال بقطاع الفنون التشكيلية منذ 2015 وحتى الآن. أقام العديد من المعارض الخاصة مثل معرض بأتيلييه القاهرة في الأعوام 2017 و2018 و2019، ومعرض بغاليري “سماح” بالقاهرة 2020، وشارك في العديد من الورش الفنية، وله عدد من المؤلفات في قراءة للتشكيل المصري المعاصر. وهو إلى جانب ذلك معدّ ومقدّم لبرنامج إذاعي يعنى بالفن التشكيلي.

موضوعات اجتماعية

كسر لمقاييس الجمال الاستهلاكي في لوحات سامي البلشي
كسر لمقاييس الجمال الاستهلاكي في لوحات سامي البلشي

يقول الفنان والناقد التشكيلي سامي البلشي المُشارك في معرض الأربعة “معنى انتصار الغريزة على التاريخ في هذا المعرض هو انحياز الأربعة لإحساسهم الفطري الغريزي. فعندما تقوم كمشاهد بتفكيك العمل ستجد أن حجم ما هو غريزي أكبر بكثير عمّا هو تاريخ، لذلك أرى أن اختيار العنوان كان موفّقا”.

وعن الموضوعات التي تناولها في لوحاته يقول البلشي “استقرت الأساليب الفنية وبقيت الفكرة هي أهم أساسيات العمل الفني، وكلما جاءت الفكرة دون تكلّف وارتبطت بالإحساس ومشاعر الفنان، وتم تنفيذها أيضا دون تكلّف نجح العمل الفني”.

معرض "الأربعة" يضم أربع تجارب فنية مختلفة لفنانين مصريين انتصروا للغريزة الفنية على حساب التاريخ
معرض "الأربعة" يضم أربع تجارب فنية مختلفة لفنانين مصريين انتصروا للغريزة الفنية على حساب التاريخ

ويضيف “يحركني هذا التفسير في تناولي للأعمال الفنية، حرّ في اختيار الأسلوب الذي أتناول به فكرتي وحر في اختيار الخامة. لا أستجيب إلاّ لغريزتي، أنحاز لها على حساب التاريخ. وأراعي عند تفكيك العمل أن تنتصر الغريزة لأنها تمسّ الروح وتخاطبها”.

وتتميّز أعمال سامي البلشي بقدر كبير من السريالية والفانتازيا التي تظهر في الموضوعات التي يتناولها، وهو الذي يعتمد بشكل أساسي على تناسق الألوان وإعادة صياغة الجسد بطريقة فنية مبتكرة، خاصة الجسد الأنثوي الذي يأتي في الغالب ممتلئا وبدينا في كسر لمقاييس الجمال الحديثة التي أرستها المجتمعات الاستهلاكية المنتصرة للنموذج الواحد.

كما يُعرف الرسام المصري بتناوله للموضوعات الاجتماعية والموضوعات ذات الطابع المأساوي العالمي، وهو بذلك يُعيد الفن لزمن القضايا الكبرى، كما تتميّز أعماله بروحها الخاصة في التصميم والألوان والتتابع البصري واستخدام المنظر بطرق متنوعة ومبتكرة، نظرا لتخصّصه في الرسم الصحافي، ومن ثم تُصبح القضايا العامة والاجتماعية والسياسية جزءا أصيلا من أعماله، ويحرص على تشكيل لوحات لها طابع جماهيري.

وعن ذلك يقول “أتناول حياة البسطاء والقضايا الاجتماعية التي تشغلني بالأساس، ويبقى التنفيذ الذي أتركه لمحركات العقل الباطني وثقافتي التي اكتسبتها عبر سنوات وعيي بالحياة، فتتشكّل الخطوط والألوان التي أدركها وينتبه لها عقلي في المراحل النهائية للعمل، فأضيف وأحذف القليل ويبقى العمل مخلوطا بأنفاسي وروحي وحسي الغريزي للحياة”.

وسامي البلشي خريج كلية التربية الفنية، وحاصل على الدكتوراه في الفنون والفلسفة، شارك في العديد من المؤتمرات الخاصة بالفن وعلاقته بالسياسة داخل وخارج مصر، حاصل على العديد من الجوائز المحلية والعالمية، وله العديد من المؤلفات والمعارض الخاصة.

لوحات جماهيرية

لوحات إبراهيم البريدي تحفل بمخزون كبير من القصص الشعبية والمواويل الفلكلورية وأغنيات الشعراء الجدد والأمثال الشعبية

يقدّم الفنان التلقائي إبراهيم البريدي في المعرض تجربته الخاصة في فن “المرج خيط”، الذي ابتدعه قبل سنوات، والذي يتمثل في حياكة بعض الشخصيات أو الأشكال بواسطة الخيط وقطع القماش على “شاسيه” بألوان مبهجة، ويكتب أعلاها مقطعا من أغنية قديمة تتّسق مع الفكرة التي يقوم بتنفيذها.

وبواسطة فن “المرج خيط” يقوم البريدي برسم لوحات عن طريق الخيوط الملونة على سطح مستو، ويختار موضوعات جماهيرية بالدرجة الأولى، مجسّدا القرية المصرية بتفاصيلها البسيطة الحميمية وطبيعتها الجذّابة وناسها البسطاء الممتلئين بالبهجة والمشاعر الفطرية والحكمة.

وهو يستعرض في معرض “انتصار الغريزة على التاريخ” العديد من أعماله المتنوعة في أكثر من مجال سواء لوحات القرية أو لوحات الليلة الكبيرة أو غيرها من اللوحات التي يبدو فيها الرسم جزءا أصيلا من موضوعاته التي يقدّمها بطريقة فنية مميزة، معتمدا في أسلوبه على البساطة والتلقائية والمفردات الشعبية والألوان الزاهية البرّاقة، حتى أن لوحاته تبدو وكأنها مصنوعة خصيصا لبث البهجة في النفوس والعودة إلى التفاصيل البسيطة في الذائقة البصرية.

شيماء محمود تدمج في مشاهد لوحاتها مجموعة منتقاة من الرموز والطقوس لإضفاء الحيوية على الشخصيات بالأمل والقوة
شيماء محمود تدمج في مشاهد لوحاتها مجموعة منتقاة من الرموز والطقوس لإضفاء الحيوية على الشخصيات بالأمل والقوة

وعن تجربته الفنية يقول البريدي “أسعى دائما لاستبدال الطاقة السلبية بطاقة إيجابية وبثّ الأمل وروح البهجة لدى المتلقي لأعمالي سواء من خلال معارضي الفردية أو الجماعية أو تلك التي أنشرها يوميا على صفحتي الخاصة بفيسبوك، وذلك لكي أشارك أصدقائي الحالة الجميلة التي أحيا في إطارها خلال العمل، وهو مكتمل أو لا يزال في طور الإنجاز”.

أما صديقه الفنان والناقد التشكيلي سامي البلشي، فيقول عن تجربته “هو فنان مدهش في غزارة إنتاجه، يلعب بقصاصات القماش ويحوّلها إلى أعمال فنية غاية في الجمال. لا يترك مناسبة شعبية أو عامة إلاّ وعبّر عنها بإبداعه الذي يخرج بتلقائية وحب، ويستميل ذائقتك الفنية بألفة لأنه يخاطب حالتك الفطرية دون افتعال.. يقصّ مفرداته من قطع القماش، ويوزّعها على مساحة اللوحة حسب رؤيته. هذه طفلة تغني للربيع، وهذه قامت بتضفير شعرها الطويل وعصبت رأسها بمنديل، وهذا ‘شجيع السيما أبوشنب بريما’، وأطفال الحي وهم منطلقون خلف المسحراتى وبائع غزل البنات، وهذه أغنية ساعة العصاري، ومشاهد أوبريت الليلة الكبيرة، والموالد”.

وتحفل لوحات البريدي بمخزون كبير من القصص الشعبية والمواويل الفلكلورية، وأغنيات الشعراء الجدد، وأيضا الأمثال الشعبية، والتي يقوم في بعض لوحاته بكتابتها لتدخل في التكوين الكلي للعمل. شخصيات يشكلها هو برؤيته الريفية، مستقرا على رموز تخصّه لوحده، يتناولها ويدور حولها ولا يكرّرها إلاّ لماما، يعتمد في تشكيلها على البساطة محققا تناغما هرمونيا يرتبط بقيمة التشكيل والتلوين.

وأنتج الفنان إبراهيم البريدي العديد من الأعمال الفنية التي يقتنيها المئات من عشاق فنه داخل مصر وخارجها، وذلك لاعتماده على عرضها بمبالغ محدودة نسبة إلى قيمتها العالية. ومن أهم أعماله ترجمته لأوبريت “الليلة الكبيرة” في لوحاته، والتي كانت سببا في حصوله على جائزة الدولة التشجيعية في الفنون فرع المهارات والمعارف الشعبية المرتبطة بالفن الشعبي.

17