الغر والحكيم

الاثنين 2014/06/09

يروى أن شابا صغيرا غرّا كان يعتقد أنه قادر على قهر المستحيل وإدارة أعناق الخلق إليه، وكان كثير الحديث عن مواهبه الخارقة وملكاته الاستثنائية، وكان هذا الشاب يذهب إلى السوق في كل يوم وما إن يرى شيخ القرية الحكيم منزويا تحت جدار، حتى يسرع إليه للاستهزاء منه، ويبدأ في استفزازه لجلب اهتمام العابرين، فيقول له: أنت أيها العجوز ماذا تستطيع أن تفعل أمامي، وأنا الشاب القوي والموهوب والمحبوب والمرغوب، وأنا مالك مفاتيح الحكمة، والعارف بفنون السحر، أحاور الإنس والجان، وأهزم العتاة والجبابرة ؟.

ويضيف “أتحداك أن تواجهني، أتحداك، فهل تقبل التحدي؟” ثم ينظر إلى الناس من حوله قائلا: هذا العجوز الهرم لا يقبل مواجهتي لأنه يعرف أنه سينهزم أمامي.

وكان الشاب قد أكثر من تصرفاته هذه، وزاد من استفزازاته، حتى جاء كبار القوم للرجل الحكيم وقالوا له: لا تجعله يسخر منك أكثر مما فعل، وحاول أن تلقنه درسا لا ينساه، فقبل الشيخ عن مضض، وقال للفتى: غدا نلتقي في ساحة السوق، فلا تتأخر إذا ابتغيت المواجهة فعلا.

في الموعد المضروب، حضر الشيخ الحكيم والشاب الغر أمام جمهرة من الناس المتعطشين لمعرفة نتيجة التحدي.

قال الشيخ: هذان كوبان فيهما سم وليشرب كلّ منّا كوبه ليعرف الناس من سيموت بالسم ومن سيعيش.

وأمام عيون الحاضرين الشاخصة، شرب الشيخ كأسه أولا ثم شرب الفتى الكأس الثانية، وبعد دقائق تعرّق وجه الشاب الغرّ وبدأ يتلوّى ويصرخ من الوجع إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، بينما كان الشيخ الحكيم جالسا في موقعه.

سأله الناس: ماذا فعلت به؟

أجاب: قدمت له كوبا به ماء وشربت أنا سمّا في كوبي، ولكنني كنت مؤمنا بالحياة، وكان قد حكم على نفسه بالموت، فأقنعت نفسي بأن في الكوب ماء ونجوت، وأقنع نفسه بأن في كوبه سمّا فمات رغم أنه لم يشرب غير الماء.

وكم في هذا الزمن من أغرار مندفعين يحاولون أن يتحدوا الشيوخ الحكماء، ولكن النتيجة دائما تكون لفائدة الحكيم، بينما يخسر الغرّ كل المواجهات التي يندفع إليها وهو مدرك أنه خاسرها لا محالة.

24