الغزل عند الأساطير

الأحد 2017/02/19

في الملعب منافسة، وفي الفؤاد مؤانسة، وعلى اللسان سلاسة، هو هكذا يجب أن يكون الحديث عن صديقين عن بعضهما غريبين، فلا رابط واضح يجمع بينهما، هما لاعبان خارقان ورائعان، لم يلعبا مع بعض ولن يلعبا قط جنبا إلى جنب، كل لاعب منهما من بلد ويدافع عن راية مختلفة عن فريق اللاعب الآخر.

الأكثر من هذا أنهما يلعبان في المركز ذاته، ما يعني بالضرورة وجود منافسة قوية ودائمة حتى وإن كانت في أغلب الأحيان غير مباشرة، لكن رغم كل هذا الاختلاف والبعد، إلا أن في قلب كليهما احترام كبير يصل إلى درجة الإعجاب المبهر بمهارات وسلوكيات وتاريخ وإنجازات الطرف الأخر.

هي هكذا كانت علاقة جيانلويجي بوفون وإيكر كاسياس على امتداد سنوات سابقة طويلة، وقد تستمر لسنوات أطول تمتد إلى مرحلة بعد الاعتزال.

حارسان مميزان لهما تاريخ حافل بالإنجازات والتتويجات، لا يتورعان في كل مناسبة عن التأكيد على وجود تقدير كبير بينهما، بل هو انبهار بالقدرات واحترام متبادل يصل إلى درجة الغزل.

فلا تكاد تمرّ مناسبة، خاصة إذا كانت تجمع بينهما، دون أن يحرص كل لاعب على مصافحة الآخر بحرارة وصدق لا يتناهى، وكأنهما ترعرعا معا في الطفولة وكبرا وتعلما أصول اللعبة التي يتقنانها جنبا إلى جنب.

قبل أيام قليلة من موعد اللقاء المرتقب بين بورتو فريق الحارس الإسباني كاسياس ويوفتنوس فريق الحارس الإيطالي بوفون والمبرمج الأربعاء، لم يفوّت “قديس” إسبانيا الفرصة دون الإشادة والتنويه بمهارات وقدرات منافسه، إلى درجة بلغت المديح، حيث تحدث حارس بورتو بإسهاب عن منافسه المنتظر.

قال عنه الكثير من الكلام الجميل، ذكر أنه كان معجبا أيّما إعجاب بمهاراته وقدراته الفائقة عندما كان يتابعه في الصغر بحكم أن الحارس الإيطالي يتجاوزه في السن بفارق أربعة أعوام، ذكر أنه تأثر كثيرا بشخصيته المحبوبة من الجميع، وبأسلوبه وشخصيته المنفردة، لذلك حرص منذ أول المواجهات على أن يعبّر له عن تقديره وإعجابه الشديد بما يقدّمه في ملاعب الكرة العالمية.

لم يخرج بوفون عن الطور، وكان ربما أكثر سخاء من إيكر عند الحديث عن الحارس السابق لريال مدريد، فبوفون ذلك الحارس المبدع والإنسان المتواضع والشخص الهادئ بشخصيته المحبة للجميع، لم يكبح الجماح، ولم يفوّت أبدا في أيّ فرصة سنحت له عند الحديث عن كاسياس دون التنويه بقدرات الحارس الإسباني والإعجاب بتاريخه الحافل بالبطولات والإنجازات الخالدة.

كان حارس إيطاليا الأول وحامي عرين اليوفي يسعد كثيرا كلما واجه "صديقه الكروي"، فالمنافسة في حضرة "العظماء"، شرف لا يناله سوى من يشبههم، والحديث بكثير من التقدير والإعجاب والتواضع عن “الأساطير” صفة قد لا يكتسبها سوى من كان بدوره "أسطورة".

بوفون، ذلك الحارس البارع والعاشق الوفيّ لليوفي، ذلك الشخص صاحب المبادئ السامية والمواقف الرجولية الشجاعة، منبهر بقدرات منافسه وصديقه كاسياس، بل يعتبره رغم خروجه مكرها من قلعة "الملوك" في مدريد ورحيله إلى بورتو البرتغالي، أحد أفضل حراس المرمى في العالم عبر التاريخ، معترفا في المناسبات السابقة أن كل الإنجازات والتتويجات والأرقام التي حققها كاسياس لا يمكن أن تجعل من إيكر إلا نجما تاريخيا وحارسا أسطوريا، ستظل الذاكرة تحتفظ بكل ما حققه.

عندما تلتقي "الأساطير" ربما يتعين الوقوف إجلالا واحتراما وتقديرا، والتصفيق طويلا، ليس للفائز، بل للاثنين معا، فذلك العناق الحار والمصافحة الصادقة أسمى وأبهى من كل الألقاب والانتصارات، ففي حضرة “الأسطورتين” نتعلم معنى احترام المنافس ونتعلم معنى مواساة الخاسر، ونتعلم أيضا أن كرة القدم لا تساوي شيئا مهما كانت النجاحات سوى لحظات صداقة صادقة، حتى وإن كانت المسافات والاتجاهات متداخلة ومختلفة.

ربما يمكن أن تستحضر الذاكرة ما حصل ذات نهائي من أمم أوروبا، تحديدا في دورة سنة 2012، فالنهائي جمع بين المنتخبين الإسباني والإيطالي، فاز في تلك المباراة منتخب إسبانيا وأحرز اللقب، لقد اهتزت شباك بوفون في أربع مناسبات، أما كاسياس فكان أحد “عرسان” تلك الليلة الرائعة، كان جميع الإسبان ينتظرون بشوق ولهفة نهاية المواجهة حتى يحمل كاسياس على الأعناق، لكن يا روعة ما حصل في النهاية.

فكاسياس، لم يلتفت إلى أيّ شخص ولم يهرول مثل بقية زملائه في المنتخب الإسباني، لم يبحث بعينيه عن أفراد عائلته في جنبات الملعب، بل سلك دربا آخر، هو درب تواضع “الأساطير”، لقد تحرّك وسار رأسا إلى صديقه “اللدود” بوفون، وجده في وسط الميدان، صافحه باحترام كبير وكلام قليل، كان لسانه حاله يقول “عذرا صديقي تلك هي أحكام الكرة، فهي تشترط فوز طرف على حساب الآخر، لكن أنت لم تخسر، فما كسبته من محبة الملايين من المتابعين لا تساويه أيّ ألقاب”.

يا لها من علاقة رائعة تربط بين الرجلين، علاقة لا تحكمها أبدا ظروف المهنة التي تربطك دائما بأصدقاء وزملاء يلعبون معك في الفريق نفسه، لكن علاقة إيكر وجيانلويجي، هي علاقة من زمن آخر وعالم آخر، ونجوم من كوكب آخر، هو “كوكب” لا يضم سوى الأساطير والملوك، وكل من صعد فوق هذا الكوكب يدرك صدقا أن السطر الأول من قاموس “العظماء”، هو بلا شك احترام الأساطير، والتغزل الصادق بما قدموه.

كاتب صحافي تونسي

23