الغزو الأميركي للعراق.. منطلق ازدهار السلفيات الجهادية

أدى الاحتلال الأميركي للعراق إلى توفير بيئة ملائمة لنمو الحركات الجهادية، إذ اجتمع فيه بعدان يعتبران المغذي الأساسي لها. يتمثل أولهما في وجود قوة أجنبية “كافرة” تحتل أراضي المسلمين، ويتمثل الثاني في سقوط الدولة هناك وغياب سلطة سياسية؛ مما ترك فراغا زاحم الجهاديون غيرهم في ملئه.
الاثنين 2017/07/17
الاحتلال شرع الأبواب العراقية أمام الإرهاب

أهم مخرجات الاحتلال الأميركي للعراق تمثلت في سيطرة تنظيم القاعدة على مساحات جغرافية ومدن بأكملها وفرض سلطته عليها، ناهيك عن تجنيد أعداد كبيرة من العراقيين والعرب في صفوفه، وتطوره في فترة وجيزة من جماعة قليلة جدا تنضوي تحت قيادة الأردني أبي مصعب الزرقاوي في كردستان العراق، إلى تنظيم يضم عددا كبيرا من الفصائل، فتأسيس دولة العراق الإسلامية تم بعيد مقتل الزرقاوي؛ الذي تعود بوادر فكرة تأسيس الدولة له. فقد بدأ يفكر قبل مقتله بتأسيس إمارة في العراق، الأمر الذي تحقق على يد أتباعه بإعلان “الدولة الإسلامية في العراق” في العام 2006.

كما أعطى الاحتلال الأميركي للعراق نفسا جديدا للقاعدة المركزية التي تراجعت كثيرا بعد الحرب على أفغانستان قبل سنتين وفقدانها ملاذها الآمن، حيث عاد الجدل حول أحداث 11 سبتمبر 2001 وحقيقة الأهداف الأميركية، وبذلك قدمت خدمات كبيرة للرواية القاعدية، وتضاعف عدد الجهاديين خصوصاً مع التطور في الوسائل التكنولوجية الذي كان يحصل بالموازاة مع ذلك، واستغلاله من طرف الجهاديين بمهارة.

ولم يفوت تنظيم القاعدة كل هذه الفرص حيث سارع لتبني تنظيم الزرقاوي على الرغم من الخلافات بينهما، ليتأسس بذلك فرعها في بلاد الرافدين في أكتوبر 2004.

وتتلاحق الفروع في شبه الجزيرة العربية، والمغرب الإسلامي، وفشلت المحاولات الحثيثة لتأسيس فرع في مصر، كإعلان تأسيس “القاعدة في أرض الكنانة” في 2006 بزعامة محمد الحكايمة الذي قتل بعد عامين في باكستان.

ما رجح كفة قتال "العدو القريب" في فكر الزرقاوي أن "العدو البعيد" يقاتل على جغرافية قريبة مع حكومة جاءت بعد الاحتلال

عاد سجال العدو القريب والعدو البعيد مرة أخرى إلى الأوساط الجهادية، وما رجّح كفة قتال “العدو القريب” في استراتيجية الزرقاوي وتجاوزه لطرح القيادة المركزية للقاعدة، أن “العدو البعيد” كان يقاتل على “جغرافية قريبة” جنبا إلى جنب مع الحكومة التي جاءت بعد الاحتلال وسيطر عليها الشيعة، وبالتالي فإن التعاون بين العدوين كان جليا، إذ كانا يقاتلانه في معركة واحدة، وهو الأمر نفسه الذي حصل مع فروع القاعدة الأخرى، خاصة في الجزيرة العربية.

فبالرغم من أنها رفعت شعار مقاتلة العدو البعيد من خلال استهداف الأميركيين وغيرهم من المصالح الغربية في السعودية، فإن مواجهاتهم مع المؤسسة الأمنية هناك، سرعان ما غيرت في أهدافهم وأصبحت مقاتلة العدو القريب أولويتهم.

عودة الجدل مرة أخرى حول أولويات العدو القريب والعدو البعيد، لم تكن بالأهمية الكبيرة، ولم يسفر الخلاف حول هذا الموضوع عن صراع بين القاعدة وفرعها العراقي؛ لأن واقع الحرب في المحصلة الأخيرة كان يفرض على فروع القاعدة القتال على كل الجبهات، فالقوات الأميركية لم تعد تستهدف أنظمة أو جيوشا، وإنما التنظيمات نفسها والزرقاوي كان يقاتل حيث يمكنه الوصول، فالقدرة هي المحرك الأساسي لسلوكه، حيث كان من السهل استهداف الشيعة والأميركيين، كما أنه قام بعمليات في موطنه الأصلي، فقد أشرف على العديد من الهجمات الناجحة والفاشلة في الأردن.

لكن في الموجة العراقية برز معطى آخر أكثر أهمية، ومعه بدأت إرهاصات تشظي تنظيم القاعدة والصراع داخل البيت الجهادي، فالمستجد الأهم تمثل في “الدولة الجهادية” الأولى، وجدل العلاقة السلطوية التي طرحتها، وإن تمت تغطيته بنقاش فقهي.

فعقب الإعلان عن تأسيس دولة العراق الإسلامية، بات موضوع إعلان الدولة نفسه مناطا للخلاف داخل أوساط التيار الجهادي عموما، وبين تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة خصوصا.

ولكن استياء تنظيم القاعدة المركزي حينها بزعامة أسامة بن لادن من ذلك الإعلان، ومن الخط الذي أخذ يسير عليه تنظيم العراق، لم يصل إلى حد القطيعة والصدام، وبقيت العلاقة مستمرة على الرغم من الفتور وضعف التنسيق. ومع أن الطرفين حاولا تجاوز الاختلاف الكبير، فإنه كان بالفعل نقطة تحول مهمة في مسار الفرع العراقي للقاعدة. فقد أخذ، لاحقا، مسارات أكثر استقلالية عن تنظيم القاعدة المركزي بعد الإعلان عن قيام الدولة، وذلك بعد أن تبدلت موازين القوى داخل الفرع العراقي، وأصبح تحت سيطرة العراقيين بصورة لافتة وتراجع نفوذ وهيمنة المقاتلين العرب والأجانب.

ومن منظور جغرافي، فإن أهم تطور حصل داخل التنظيمات الجهادية يتمثل في الانتقال من شغل حيّز جغرافي ضيق يتسم بحرب العصابات، واستيطان المناطق الجبلية والأرياف أو حتى المدن، ولكن على شكل خلايا سرية، إلى السيطرة على نطاقات جغرافية واسعة وبسط سلطتها من خلال فرض النموذج الإسلامي الذي تعتقد به، حتى باتت توصف بدولة الأمر الواقع. ثم العمل الحثيث والاستماتة في محاولة التمسك بتلك الأقاليم الجغرافية، ومن ثم محاولة التمدد نحو الأقاليم المحاذية.

أطروحة الجهاديين أصبحت تحظى بمبررات أكبر بعدما أفتى الكثير من العلماء المسلمين بوجوب "الجهاد" في سوريا

الملمح الآخر في هذه الموجة أنها رسخت الأسس الجهادية أكثر، فإذا كانت الظروف السابقة مثل الحالة الأفغانية على بعدها جغرافيا نُظرَ للجهاد فيها على أنه فرض عين، فإن تزايد حدة الصراعات وانتقالها ثم انتشارها في الجغرافية العربية كاملة رسخ هذه الفكرة، خاصة مع أنه في هذه الحالة “جهاد دفع” وهو الذي لا يختلفون فيه حتى مع غيرهم من الإسلاميين.

كما أن ردة الحكام العرب تزداد في “يقينهم” بعدما أصبحت القواعد الأجنبية “الكافرة” منتشرة ووصلت إلى الاحتلال المباشر، إضافة إلى تزايد حجم التنسيق والتعاون في “مكافحة الإرهاب” الذي هو من أخطر مظاهر موالاة الكفار، إلى جانب الضغوطات الدولية من أجل الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان وحرية التعبير والمعتقد، وما تفرضه من مسايرة القوانين الدولية، والتي تثبت من وجهة نظرهم، ليس عدم تطبيق الشريعة، وإنما العمل الدؤوب على محاربتها.

وتسببت حرب الجهاديين لعدوهم القريب، وتحديدا “الحاضنة السنية” كغيرها من المرات السابقة، في تراجع التنظيم وفقدانه المناطق التي كان يسيطر عليها، وتراجع قدراته القتالية، ولكنه سرعان ما استعاد تلك القدرات وأعاد انتشاره، مع تراجع زخم الانتفاضات الشعبية واستعادة الأنظمة السياسية زمام المبادرة والتكيف مع الأحداث، واتجاه البعض من الانتفاضات نحو العنف المسلح خصوصاً في سوريا التي أوغلت في الطائفية، بعد تورط إيران والميليشيات الشيعية العراقية في الحرب إلى جانب نظام بشار الأسد، وتعمّق الصراع، وأصبحت أطروحة الجهاديين تحظى بمبررات أكبر، بعدما أفتى الكثير من العلماء المسلمين، من مختلف الاتجاهات، بوجوب “الجهاد” في سوريا، في صورة مشابهة للإجماع الذي حصل حول الجهاد في أفغاستان.

وبذلك أصبحت سوريا قبلة للجهاديين من مختلف الدول، وبينما كانت الحدود حاجزا دون تعاونهم في سوريا والعراق سابقا إلا بالقدر الذي يسمح به نظام بشار الأسد، لم تعد هناك أي حواجز تعيق الجهاديين، وتوسعت حواضنهم الاجتماعية بعودة العشائر العراقية إلى التعاون مع تنظيم “الدولة الإسلامية”، كرد فعل على سياسات رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي.

أغرت المساحات الشاسعة التي استطاع التنظيم السيطرة عليها بين العراق وسوريا، للمسارعة إلى إعلان الدولة الإسلامية بالعراق والشام، ثم دولة الخلافة متأثرا بحالة القوة التي أصبح عليها حينها، مقابل الضعف الشديد لخصومه المحليين والدوليين نتيجة تباين مصالح مختلف القوى. وانتقلت عدوى السيطرة على الأرض وإعلان الإمارات الإسلامية عليها إلى بقية التنظيمات الجهادية.

ونظراً للتواصل الجغرافي بين سوريا والعراق، فإن الأمر قد يبدو طبيعيا (في سياق الحرب) ولكن تنظيم “الدولة الإسلامية” توسع بطريقة تشمل أراضي غير متجاورة خارج قاعدته، وامتلك سلطة على جماعات تابعة له وإن كانت بعيدة عنه جغرافياً. إذ أعلنت بعض الجماعات الصغيرة؛ التي لا تمتلك تأثيراً ميدانياً يمكن التعويل عليه في بعض الدول، بيعتها لأبي بكر البغدادي، وتأسيس إمارات أو ولايات اعترف ببعضها ولم يعترف بالبعض الآخر.

13