الغزو الروسي لأوكرانيا ومواعظ أوباما

السبت 2014/08/30

تبدو روسيا في المشهد العام للأزمة الأوكرانية كوحش كاسر متحفز للانقضاض على أوكرانيا المشغولة بإضراباتها الداخلية. وقد كان لجام الولايات المتحدة والغرب حتى وقت قريب فعالا في كبح جماح الجيش الروسي. لكن الأخير لم يعد يتمالك نفسه وهو يشاهد مجموعات الانفصاليين التابعة له في أوكرانيا، تتراجع عن منطقة تلو أخرى، فاندفع إلى عمل عسكري بدا محدودا، لكنه يعطي إشارات تشي بتصاعد الأزمة. ومهما كانت محدودية ذلك العمل العسكري، لكن الحقيقة هي أن جنودا روسا، ومدرعات ومدفعية وأسلحة ثقيلة أخرى باتت داخل الأراضي الأوكرانية، في اختبار جديد بسياسات أوروبا وأميركا، حيث أضحت روسيا مندفعة لعمل أكثر علنية في أوكرانيا.

لم تتردد أوكرانيا في اعتبار التدخل الأخير من قبل القوات الروسية بمثابة “غزو” لأراضيها، وهو بالفعل قريب ليكون غزوا عسكريا، إذ أجمعت التقارير على أن موسكو زجت بآليات ووحدات قتالية كبيرة، وتوغلت في بلدات بمنطقة دونيتسك شرق أوكرانيا، خصوصاً بلدة نوفوازوفسك المؤدية إلى مدينة ماريوبول الساحلية حيث يحاول الانفصاليون التقدم واستعادة زمام المبادرة.

هكذا طالبت أوكرانيا الاتحاد الأوروبي بتقديم مساعدات عسكرية عاجلة من أجل “مواجهة الغزو الروسي”، مستفيدة من إعلان حلف شمال الأطلسي “الناتو” رصد مشاركة أكثر من ألف جندي روسي في “الغزو” لأوكرانيا. لكن تقديرات صادرة عن الانفصاليين أنفسهم تقول بأن أعداد الجنود الروس التي تدخلت أوكرانيا لمساندتهم تصل إلى 4 آلاف جندي.

يشبه ذلك ما حصل عام 2008 في جورجيا، حيث توغل الجيش الروسي في العمق الجورجي زاجّا بآلاف من الجنود ومئات الدبابات في اتجاه العاصمة تبليسي، لإنقاذ مجموعات الانفصاليين كانت على وشك الهزيمة في إقليم أوسيتيا الجنوبية. وحينها سحقت روسيا هجوم القوات الجورجية على إقليم أوسيتيا، وذلك بعد سنوات من التوتر المتبادل بين موسكو وتبليسي، حافظت فيه روسيا على صبرها طالما أن حلفاءها في الإقليم الانفصالي كانوا قادرين على مواصلة إثارة الاضطرابات والتصدي للقوات الجورجية. وما إن أدركت موسكو حقيقة أن القوات الجورجية باتت قريبة من إلحاق هزيمة بحلفائها، تخلت عن ضبط النفس، وقامت بغزو بري مباشر وعلني.

الولايات المتحدة ظهرت متحفظة نسبيا، إذ امتنعت عن وصف الهجوم الروسي بـ”الغزو” مما كان سيعتبر تصعيدا مباشرا من قبلها. ولم يعتبر الرئيس الأميركي باراك أوباما التحرك الروسي حتى بمثابة “تحول” في سياسة روسيا تجاه أوكرانيا، بل وضعه في سياق العمل الروسي التقليدي وقد بدأ يأخذ شكلا أكثر علنية. ويظهر من ذلك أن أميركا، مدفوعة بتردد الاتحاد الأوروبي، لا تزال تتأرجح بين التصعيد من جهة وتخفيف حدة التوتر مع روسيا من جهة أخرى.

لكن الولايات المتحدة الأقل تأثرا بعقوبات موسكو، تبدو مستعدة لاتخاذ مزيد من “الإجراءات العقابية” كما تسميها. وفي خطوة عملية مباشرة حدد الرئيس الأميركي الأسبوع المقبل لزيارة أوروبا، وليلتقي بحلفائه في الناتو لمناقشة تداعيات “التدخل” الروسي، ولكي يطمئن دول البلطيق بأن أميركا لن تقف مكتوفة الأيدي في حال حدوث أي عدوان من جانب روسيا.

في مؤتمره الصحفي الأخير كرر الرئيس الضعيف والمتردد عبارة “لا حل عسكريا للأزمة” عدة مرات في ما يخص الأزمة الأوكرانية. ويبدو ذلك مبررا ومنطقيا جدا، فالرئيس الذي يتبع سياسة “لا حل عسكريا” ضد النظام السوري، بل ضد داعش في سوريا، من الحريّ به أن يتمسك أكثر بهذه السياسة في مواجهة روسيا، وإلا تحولت الحرب الباردة الحاصلة اليوم إلى حرب عالمية ثالثة. لكن، ماذا إذا أصرت روسيا على “حل عسكري” للأزمة، كما فعل ويفعل النظام السوري في سوريا؟، حينها، قد يكون أوباما مجبرا على عدم الاكتفاء بتقديم المواعظ السياسية التي تدعي الحكمة في مؤتمراته الصحفية.


كاتب فلسطيني سوري

9