الغزو الروسي لسوريا.. أين تكمن الحقيقة

الخميس 2016/01/14

باتت الأراضي السورية مستباحة لكل ذي مصلحة فيها. ولكل طرف في الصراع أهداف معلنة وأخرى خفية، فإسرائيل وحلفاؤها الغربيون ينتظرون اللحظة لتنفيذ مشروع إسرائيل الكبرى، وبالنسبة إلى تركيا فهي فرصة سانحة لإضعاف الأكراد وإنهاء حلم الدولة الكردية، أما إيران وحلفاؤها فهم يظهرون الحقد الدفين على بلاد الشام وأهلها الأمويين ويتوغلون بتقسيمهم الطائفي لنشر ثورتهم ولبعض الدول التي تساند الإسلام السياسي، فسوريا هي المكان المناسب لتولي الإخوان حكم سوريا بعد بشار الأسد.

أضاف موقع سوريا الجيوسياسي وتنوع النسيج الاجتماعي السوري تعقيدا على الصراع ليصبغه بعدة ألوان غير متناسقة، إلا أن التدخل العسكري الروسي الأخير حيّر الخبراء ليظهر بعدة سيناريوهات جعلها الدهاء الروسي معطفا يناسب الجميع، وبدأت أطراف الصراع في سوريا بتكييف المعطف ليلائم مصالحها. وتظل حقيقة الغزو الروسي كامنة في بطن الساسة والخبراء، ما بين أن تكون سوريا ساحة لإعادة المجد الروسي، أو مستنقعا آخر كمستنقع أفغانستان والذي خرجت منه القوات الروسية مهزومة.

أول المهللين للغزو الروسي نظام بشار الأسد وأعوانه إيران وحزب الله والميليشيات الشيعية العراقية وبعض التنظيمات الشيعية من باكستان وأفغانستان وتنظيم داعش، لأنه جاء في اللحظة التي بدأت فيها علامات انهيار النظام بالظهور، حيث أنه لم يعد يسيطر إلا على أقل من 20 بالمئة من الأراضي السورية، فبادر النظام إلى الإعلان على لسان وزير خارجيته، وليد المعلم، أن التدخل الروسي جاء بناءً على طلب الحكومة السورية وهو نتيجة تعاون مستمر بين الحكومتين، وهذا الإعلان يضفي صفة القانونية للجانب الروسي وصفة الشرعية للجانب السوري.

وعمليا فإن هذا التدخل يحقق تفوقا عسكريا للنظام على المعارضة لدخول أنواع حديثة من الأسلحة والذخائر ونظم القيادة. ولكن لو كان الروس يهتمون، فعلا، ببقاء نظام بشار الأسد فلماذا يؤكدون باستمرار أن الأسد ليس على قائمة أولوياتهم وإنما يهتمون بمؤسسات الدولة السورية وعدم تحولها إلى دولة فاشلة على غرار أفغانستان والعراق، لذلك هم يشاركون في اجتماعات الحوار بين طرفي النزاع، ويدعون المعارضة لحضور اجتماعات موسكو، كما يصرون على محاربة داعش وفق رؤيتهم الخاصة وليس ضمن التحالف المشكل بقيادة الولايات المتحدة، وليست تحفظاتهم تجاه تصرفات الحكومة الإيرانية وحلفائها وأذرعتها المسلحة خافية عن أحد، فهم عرضوا التعاون على التحالف العربي في اليمن. فأين تكمن الحقيقة إذن؟

مع بدء الغارات الروسية على سوريا بادرت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى الإعلان عن التنسيق مع الجانب الروسي لاعتقادهم أن الغزو الروسي سيقرّب وجهات النظر بينهم وسيساهم في تحقيق مصالح الغرب بمنطقة الشرق الأوسط، رغم توجّسهم من نتائج تفرد الروس بالساحة السورية واستمرار احتلالهم لشبه جزيرة القرم، وتمت دعوة الخبراء من العسكريين الروس لزيارة البنتاغون للوقوف على آخر مستجدات الحرب السورية وهو ما يُعدُّ مباركة من الولايات المتحدة خاصة بعد ما تأكد عجز البيت الأبيض عن إيجاد حلول للأزمة السورية.

بدأت الدول الأوروبية التنسيق مع الروس بعيدا عن مظلة حلف شمال الأطلسي وزيادة مشاركتها في الحرب على تنظيم داعش خاصة بعد الأحداث الدموية التي عصفت بالعاصمة الفرنسية باريس، والتهديدات المستمرة للقيام بأعمال إرهابية في أوروبا بعد موجة النزوح من مناطق القتال في العراق وسوريا والتي فاقت المليون نازح. وفي نفس الوقت تنشر الولايات المتحدة تقارير من ساحة القتال تؤكد استهداف القوات الروسية لمناطق سيطرة المعارضة السورية وليس داعش والقاعدة، كما أعلن حلف شمال الأطلسي دعمه لتركيا بعد إسقاط الطائرة الروسية لاختراقها المجال الجوي التركي ويناقش في البرلمان الأوروبي فرض المزيد من العقوبات على روسيا. هذا التناقض في المواقف الغربية تجاه الغزو الروسي يجعلنا نتساءل عن مقدار الحقيقة التي يمكن إدراكها من الأحداث. فأين تكمن الحقيقة إذن؟

آخرون يتحدثون عن فرضية تشكيل جبهة مكونة من تركيا ومصر والسعودية داعمة للغزو الروسي بعد استنجاد بشار الأسد بمصر لتخليصه من السيطرة الإيرانية الخانقة، خاصة بعد إغراق ساحة القتال السورية بالعديد من التنظيمات الإرهابية والميليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان وباكستان، بالإضافة إلى حزب الله وبعض الميليشيات الإيرانية وضباط الحرس الثوري الذين يقودون العمليات هناك، ممّا سيشكل تهديدا خطيرا لنظام الأسد إن نجح في البقاء بالسلطة، كما سيحقق الغزو الروسي للدول الداعمة المزيد من الدعم في قتال الجماعات الإرهابية داخل الأراضي السورية أو في بلدانهم مثل تنظيم ولاية سيناء في مصر أو حزب العمال الكردستاني في تركيا، بالإضافة إلى حاجة الدول الداعمة لخلط أوراق الولايات المتحدة وممارسة نوع من الضغط السياسي على البيت الأبيض لمراجعة أجندة شركائه الاستراتيجيين في منطقة الشرق الأوسط بعد أن تأكد لها عدم مصداقية الإدارة الأميركية في دعم حلفائها عدا إسرائيل، وإيجاد تحالفات بديلة لها في المنطقة والدليل على ذلك التحالف الاستراتيجي السعودي التركي.

في المقابل ما زالت العلاقات التركية الروسية غير مستقرة خاصة بعد إسقاط تركيا للطائرة الروسية، وكرد فعل فرضت روسيا عقوبات اقتصادية على تركيا وهاجمت التركمان الذين تعهدت تركيا بحمايتهم وهددت بإعلان الحرب إذا أسقطت تركيا طائرة أخرى، كما أن الحرب النفطية على أشدها بين السعودية وروسيا ورغبة المملكة في الحفاظ على حصتها في السوق، بينما ترغب روسيا في استبدال سوق النفط بسوق الغاز الطبيعي والذي سيبرز دولا أخرى على الساحة كالجزائر وقطر. هذا الاحتكاك السياسي العسكري والاقتصادي بين روسيا والدول الضالعة في الحرب السورية لا يعطي مؤشرات واضحة للدلالة على نوايا الدول ولا لتكهنات المستقبل. فأين تكمن الحقيقة إذن؟

الغزو الروسي جاء بتعاون مع الجانب الإسرائيلي لضمان عدم تهديد أمن إسرائيل وإن كانت إسرائيل قد أخفت اتفاقها مع الروس عن حلفائها الغربيين، وعدم تدخل الولايات المتحدة في الصراع ضد روسيا ثانيا. ولولا الضوء الأخضر الإسرائيلي لم يكن ليكتب النجاح للغزو الروسي.

المعطف الروسي لا يناسب إلا روسيا فهم يستغلون جميع الأطراف ليحققوا غاياتهم وعلى الجميع أن يتعلموا حياكة معاطفهم. من الناحية السياسية ترغب روسيا في تحقيق مصالحها من خلال إبراز نفسها قوة عظمى في المنطقة وأنها شريك يعتمد عليه وخلق تحالفات منافسة لحلف شمال الأطلسي الذي بدأ يناوش روسيا بعد احتلالها جزيرة القرم وسعيه لضم بعض دول شرق أوروبا التي تعتبرها موسكو خطا أحمر.

عسكريا تريد روسيا أن تضمن قاعدة طرطوس على البحر المتوسط التي تضمن لها مواجهة القواعد الأوروبية والأميركية في تركيا واليونان أولا وحرية الملاحة البحرية لبوارجها في بحر إيجة والبحر الأحمر حتى لا يتم حصر سيطرتها في المحيطيْن الهادي والهندي. وأعتقد أن دعوة روسيا المعارضة للجلوس على طاولة الحوار ليس للتوفيق بينها وبين الأسد الذي لا يمثل أهمية لها، بقدر فرض شروطها للمحافظة على الوجود الروسي وعلى مؤسسات الدولة.

من الناحية الاقتصادية فهي تسعى لإيجاد بدائل للسوق الأوروبية في ظل فرض عقوبات اقتصادية من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة واحتمال قطع الغاز عن أوروبا، ولتوسيع قاعدتها الصناعية وعلى رأسها الصناعة العسكرية، وتقليل الاعتماد على النفط والغاز وإسقاط أهمية منظمة أوبك وإبراز منظمة الدول المصدرة للغاز كبديل لها. هناك أهداف أخرى يمكن استنباطها من الدبلوماسية الروسية تجعل الغزو الروسي مبررا لدى النخب السياسية الروسية والتي جعلت من بوتين بطلا مظفرا.

كاتب إماراتي

8