"الغسالة".. فيلم هزيل بأفكار مُستنسخة يحقق إيرادات مرتفعة

العرض الجماهيري كسر عقدة كورونا وفتح الباب لمزيد من الأعمال السينمائية.
الثلاثاء 2020/08/04
استهلاك أفكار تقليدية للإضحاك

لا يعني الإقبال الجماهيري على العمل الفني أنه جيّد أو مُتميز على المستوى الفني، فالإيرادات المرتفعة للفيلم تُمثل في أغلب الأحيان مؤشرا على نمط من الأعمال الفنية الجذابة جماهيريا، ولا تؤكد بالضرورة جودتها الفنية. وهو ما نلاحظه من فيلم “الغسالة”.

في ظل أزمة وباء كورونا وتأثيره السلبي على شتى القطاعات، بما فيها السينما المصرية التي تأجل فيها تصوير العديد من الأعمال، قد تكون الإيرادات المُرتفعة لأحد الأفلام دليلا غير كاف على إعجاب الناس بالعمل، لأنه غالبا تأتي تعبيرا عن شوق جماهيري للسينما في ظل انعدام الخيارات الأخرى، وبعد فترة طويلة من العطش للسينما والمسرح، وكل الفنون التي تأثرت بالجائحة.

غابت المنافسة في الموسم السينمائي خلال عيد الأضحى ليكون الفيلم المصري “الغسالة” الذي كتب له السيناريو عادل صليب، وأخرجه عصام عبدالحميد، وشارك في بطولته كل من محمود حميدة، أحمد حاتم، هنا الزاهد، أحمد فتحي، بيومي فؤاد، الفيلم الجديد الوحيد المطروح في دور العرض السينمائية مع عدد محدود من الأفلام القديمة، ما أدى إلى ارتفاع إيراداته في اليوم الأول لطرحه لتفُوق مليون جنيه، على الرغم من أن حبكته الفنية لم تكن متقنة، بل جاء هزيلا في نظر الكثير من النقاد.

تكمن أهمية ارتفاع الإيرادات في أن دور العرض السينمائي في مصر لا تعمل بكامل طاقتها، فلظروف التباعد الاجتماعي والإرجاءات الاحترازية لا تعمل سوى بـ25 في المئة من قدرتها الاستيعابية.

السفر عبر الزمن

حبكة فيلم "الغسالة" تعتمد على فكرة السفر عبر الزمن، بالرجوع إلى الماضي أو القفز إلى المستقبل
حبكة فيلم "الغسالة" تعتمد على فكرة السفر عبر الزمن، بالرجوع إلى الماضي أو القفز إلى المستقبل

تعتمد حبكة فيلم “الغسالة” على فكرة السفر عبر الزمن، بالرجوع إلى الماضي أو القفز إلى المستقبل، وهي الفكرة التي قُدّمت على نحو واسع في أفلام الخيال العلمي الغربيّة والروايات العالمية عبر عدد من التصورات المُختلفة منذ القرن التاسع عشر، لكنها تُحاك في هذا الفيلم بقدر من العشوائية والاستسهال وغياب الفكر.

ويجسد أدوار الحاضر كل من الفنان الشاب أحمد حاتم في دور البطل “عمر” الأستاذ الجامعي في قسم الفيزياء بالجامعة، والفنانة الشابة هنا الزاهد، الأستاذة في قسم الحيوان بكلية العلوم في دور “عايدة”، والفنان محمد سلّام، الأستاذ في قسم النبات، في دور “سامح”، وهم الشخصيات الثلاثة الذين ينتقلون عبر الزمن لتغيير الماضي والتحكم في المستقبل من خلال “الغسالة” التي اخترعها “عمر”.

الهدف العام والدافع نحو اختراع “عمر” لآلة الزمن هو إصلاح أخطاء الماضي لتغيير المستقبل، لكنه عبر أحداث الفيلم لا يتجسد سوى في هدف واحد وهو منع زواج “سامح” من “عايدة” وإقناعها بالزواج من “عمر”.

ليست المشكلة الأساسية في حبكة الفيلم، وهي الفكرة المستوردة التي باتت بدرجة ما مُستهلكة بسبب الاستنساخ الرديء لها، لكن في ذلك القدر من الاستسهال في الكتابة وعدم احترام عقلية المشاهد والزج بالكوميديا لتقديم عمل غير مُقنع فنيا.

نحن لم نعرف كيف أمكن للبطل أن يجعل من الغسالة آلة للانتقال عبر الزمن وماذا كانت دوافعه الأولى للعمل على تجاربه المتكررة بهذا الصدد، والتي جعلته يحتمل الإخفاق المتكرر للتجربة، وما منطقية أن تتم كل عمليات الانتقال عبر الزمن بكل يُسر لكل من يدخل الغسالة، وكيف استطاع الجميع الحياة في الماضي لأيام متتالية دون مواجهة صعوبات تُذكر، وغير ذلك من الأسئلة.

إذا كان الهدف من التنقل عبر الأزمنة في الفيلم إقناع “عايدة” بحب “عمر” لها ومنع زواجها من “سامح”، فإن تحقيق الهدف في الفيلم قد تحقق عبر طريقة ساذجة، فبعد المحاولات الفاشلة لإصلاح حوادث الماضي التي كان هدفها الرئيس هو “الإضحاك”، يتحقق الهدف بعد عدد من مشاهد “الأكشن” من خلال ضرب وتقييد “سامح” بنسخه الثلاث في الماضي والحاضر والمستقبل في الكرسي، لينتقل “عمر” إلى الحاضر مرة أخرى ويتزوج من “عايدة”، ما يُثبت ذلك القدر من التسرع في الكتابة وعدم صياغة مشاهد تقوم على حبكة مُتقنة أو مُقنِعة.

رغم أن الفيلم انساق وراء الرغبة في الإضحاك على حساب المضمون أو الحبكة الفنية المتقنة، فإن تلك الكوميديا المُقدمة قامت على استهلاك أفكار تقليدية للإضحاك، مثل السخرية من مظهر الشخص الشاب المُختنق في ملابس ومظهر غير جذاب، أو من أسلوبه ولهجته في الكلام أو مشكلات النطق كما هو الحال لدى “سامح” في شكله المستقبلي.

التعطش للسينما

كذلك من خلال التلميحات الجنسية والتورية الساخرة، قد يكون كل ذلك من شأنه أن يحقق كوميديا ناجحة، إن كان ما يحكمه هو الموقف الدرامي، لكن التركيز على النكات بمعزل عن العناية بالسياق والمعنى الدرامي أضاف المزيد من الخلل على العمل السينمائي.

وإن كان الفيلم ارتكز لنقاط قوة الفنان الكبير محمود حميدة بتاريخه السينمائي الثري، والذي قام بدور “عمر” في المستقبل، والفنانة شيرين رضا التي ظهرت في مشاهد محدودة بنهاية الفيلم في دور “عايدة” بالمستقبل، فإن قوة الأداء التمثيلي لهما ولفنانين آخرين شاركوا في بطولة العمل ليس كافيا لتجاوز وهن الفيلم ومشكلاته لاسيما أن أداء البطلين أحمد حاتم وهنا الزاهد لم يكن على مستوى المقبولية الفنية.

كما أن تجسيد الشخصيات جاء على درجة كبيرة من السطحية ما جعل كل ما هو معروف عن الأبطال هو ما كُتب على الشاشة دون أن تُمنح مساحة كافية عبر أحداث الفيلم لتأكيد صفاتهم المذكورة أو توضيح ملامحهم.

في أغلب الأحيان، قد يلجأ الفيلم هزيل الحبكة إلى نهاية توضيحية أو على الأرجح تبريرية، وهو ما فعله مخرج فيلم “الغسالة” لتأتي نهاية الفيلم بمشهد للفنان محمود حميدة بعد مرور عشرين عاما يقول فيها: “محدش يقدر يغير القدر، لكن نقدر نصلح غلطات زمان، نقرب من بعض، ساعاتها بس ممكن الحب ينتصر”، وهي الجملة التي لم تقد إليها أحداث الفيلم، نظرا لارتباكه بين الرغبة في إضحاك المشاهد وصياغة معنى ومنطق ملائم.

ميزة الرواج الذي حققه الفيلم في الأيام الأولى لعرضه، أنه قد يفتح الطريق أمام بعض المنتجين للإفراج عن أفلامهم الموجودة في العلب خوفا من التأثيرات السلبية لكورونا على حضور الجمهور، وعو ما يعني كسر العزلة المفروضة، والتعايش مع الوباء بصورة كبيرة، وعودة الحياة الفنية إلى طبيعتها.

يحسب لفيلم “الغسالة” جرأة المنتج ورهانه على أن جمهور عيد الأضحى المتعطش لرؤية سينما جديدة تشعره بأن الأمور الحياتية تسير إلى الأفضل، وربما يكون الإسراف في النكات كان الغرض منه محاولة جذب الجمهور وإحياء صناعة كادت تتأثر بقوة بسبب كورونا.

14