الغش في الامتحانات مرده تراجع القيم في المحيط الأسري

تطبيع الطفل مع الخداع والتحيّـل يجعله يختار الطريق الأسهل للنجاح.
الاثنين 2020/07/13
الكفاءة عماد النجاح

تكررت وتنوعت محاولات الغش التي شهدتها الدورة الرئيسية لباكالوريا 2020 رغم الإجراءات المشددة التي اتخذتها وزارة التربية والتعليم في تونس لمنع الغش في هذه المناظرة الوطنية، إلا أن ذلك لم يردع بعض التلاميذ من اللجوء إلى هذا الأسلوب، ويرى مختصون أن تفشي هذه الظاهرة مرده تفكك وانهيار منظومة القيم داخل الأسرة والمجتمع.

 تونس - على الرغم من الإجراءات الصارمة لمنع الغش شهدت مناظرة الباكالوريا هذه السنة في أيامها الأولى أساليب متنوعة ومبتكرة في الغش، وعلى سبيل الذكر لا الحصر تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس، مقطع فيديو نشره أحد المراقبين في امتحانات الباكالوريا بأحد معاهد العاصمة، يوثق طريقة جديدة في الغش عن طريق استخدام مكبر الصوت. وعمد أحد المواطنين المتواجدين أمام المعهد إلى تقديم الإجابة عن أسئلة امتحان مادة الفرنسية باستعمال مكبر الصوت.

ووثق مراقب بالمعهد الحادثة، علما بأن رواد مواقع التواصل الاجتماعي استنكروا ذلك، فيما دعا بعضهم إلى تطبيق القانون، كما تساءل البعض عن كيفية حصول الشخص الذي أملى الإجابات، على أسئلة الامتحان.

ومن جهة أخرى أكد المنجي سليم المندوب الجهوي للتربية بجهة المنستير الأربعاء 8 يوليو  2020، أن تلميذة اضطرت إلى ابتلاع ورقة استعملتها في الغش في امتحان الباكالوريا. وأضاف سليم أن الأساتذة المراقبين في أحد مراكز امتحانات الباكالوريا تفطنوا إلى إحدى التلميذات بصدد الغش، لكن هذه الأخيرة قامت بابتلاع ورقة الغش في الامتحان لكي تخلص نفسها من العقوبة.

وأشار إلى أنه تم رفع مخالفة التلميذة وسيتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في شأنها، وينص نظام امتحان الباكالوريا في تونس على عقوبات تتعلق بالغش وسوء السلوك والتي يصل أقصاها إلى تحجير الترسيم في الامتحان لمدة خمس سنوات مع الرفت النهائي من جميع المؤسسات التربوية العمومية، وذلك مع توصية المراقبين من الأساتذة باليقظة التامة وإعلام إدارة المركز الكتابي بكل حالات الغش التقليدية والإلكترونية.

وأكدت وزارة التربية في تونس أن باكالوريا 2019 سجلت أرقاما مخيفة للغش، ولفت أخصائيو علم النفس إلى أن الغش في الامتحانات عامة وفي مناظرة الباكالوريا خاصة بات ظاهرة لافتة تشكل خطرا على الأسر والمجتمع، مشيرين إلى عدم وعي بعض الأسر بخطورة هذه الظاهرة، وعدم تربية أبنائها منذ الصغر على تجنبها، وفي مقابل ذلك تشجع بعض الأسر أبناءها على اتباع هذه الطريقة بشكل مباشر أو غير مباشر وذلك بالتأكيد والحرص على نجاح الأبناء مهما كانت الوسيلة ودون الضغط عليهم للابتعاد عن الغش، حتى أن بعض العائلات تعلم أن أبناءها يغشون في الامتحانات للحصول على نتائج تخول لهم النجاح دون أن تحرك ساكنا.

العديد من العائلات لم تنجح في غرس القيم الأخلاقية في نفوس أبنائها إما تقصيرا وإهمالا أو لأنها بدورها تفتقد إليها

ويؤدي هذا التهاون من قبل الأهل في التصدي لأبنائهم وتوعيتهم بمخاطر هذا الأسلوب في النجاح إلى تبنيهم سلوكيات سلبية تؤثر على مستقبلهم وحياتهم الاجتماعية، حيث يتبنون الغش كأسلوب حياة وأساس لتحقيق النجاح في كافة مجريات حياتهم.

وعلق أحمد الأبيض الباحث والمختص في المسائل النفسية والاجتماعية في تونس على تكرّر وتنوع محاولات الغش التي شهدتها الدورة الرئيسية لباكالوريا 2020، والتي انطلقت منذ الأربعاء الماضي، قائلا إن الغش في الامتحانات وجه من أوجه تنامي الفساد ومرده تراجع القيم والمبادئ في المجتمع التونسي.

وأكد الأبيض في تصريح لوكالة تونس أفريقيا للأنباء “وات” أن العديد من العائلات التونسية لم تنجح في غرس القيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية في أبنائها إما تقصيرا وإهمالا منها وإما لأنها بدورها تفتقد إليها.

وتابع “عندما يعيش الطفل في محيط عائلي واجتماعي يسوده الكذب والتحيل والفساد، فإنه حتما سينهل منه وسيسعى إلى تقليده في مناسبات عديدة ولعل من أبرزها تجربة الغش في الامتحان”.

وأضاف “ومن هذا المنطلق يلجأ التلميذ الذي يعيش حالة تطبيع مع المناورة والتحيّـل، إلى الغش في الامتحان بعد أن خانته قدراته وكفاءته على اجتياز الاختبار، وتعود على التكاسل والتواكل واختيار الطريق الأسهل والأنجع في نظره”.

وأشار المختص التونسي إلى أن ما يزيد الأمر تعقيدا أن التلميذ المعروف بمهارته في الغش في الامتحانات يعيش بطولة وهمية تدفعه إلى المزيد من الإدمان على هذا التصرف باعتباره يحظى بمكانة هامة وسط زملائه، فلا يتردد في مدّ يد المساعدة لزملائه أثناء الامتحان ويطلعهم على المعلومات التي تحصل عليها بطرقه الملتوية.

الحصول على علامات جيدة هو الأهم بغض النظر عن الطرق المستعملة
الحصول على علامات جيدة هو الأهم بغض النظر عن الطرق المستعملة

كما أكد الأبيض أن المدرسة من جهتها، تخلت عن دورها في إعلاء القيم النبيلة لدى التلميذ، داعيا إلى ضرورة إصلاح المناهج التربوية في اتجاه تضمين هذه المبادئ والقيم كمواد تدرّس، واعتبر الأبيض أن وسائل الردع والمراقبة وإن كانت مهمة فهي لن تكفي للحد من ظاهرة الغش في الامتحان لأنها لا تعالج المشكلة من جذورها، محذرا من تأثير انتشار هذه الظاهرة على المستوى التعليمي العام وعلى قيمة الشهائد العلمية.

ويرى الخبراء أن غش التلاميذ في الامتحانات يمس بمبدأ تكافؤ الفرص والمساواة وهو قضية أخلاقية وتربوية تتحمل الأسرة والمدرسة ونظام الامتحانات ووسائل الإعلام دورا كبيرا في منعها، مشيرين إلى أن ضعف التربية الذي تتحمل وزره الأسرة والمدرسة له انعكاساته السلبية على الشخص وعلى المجتمع الذي يعيش فيه.

ونبهوا إلى أن محاكاة نموذج الأبوين من بين أسباب تحول ظاهرة الغش إلى ممارسة مقبولة في المجتمع، حيث يوضح الباحث المغربي جواد مبروكي أنه “عندما يفتح الطفل عينيه على أبوين يغشان بعضهما البعض ويغشانه ثم يرى شيوع الكذب داخل الأسرة، ويلاحظ نماذج عن كذب الوالدين والأعمام والعمات والجيران والإخوان، فضلا عن تعرضه في حالات عديدة للتوبيخ لقوله الحقيقة لفرد من أفراد أسرته، وهو ما يمثّل دعوة إلى الكذب الاجتماعي، وبالتالي دعوة إلى الغش، لأن الكذب هو غش في العلاقات العائلية والمهنية والاجتماعية، يصبح الغش ممارسة طبيعية وميزة في نظره”.

كما أوضح أنه من أسباب تفشي ظاهرة الغش “استنساخ النموذج الاجتماعي، حيث يتعلم الطفل بسرعة كيف يرشو الأب الموظف لقضاء غرض من الأغراض، على سبيل الذكر لا الحصر، كما أنه يسمع من البالغين حكايات كثيرة عن الفساد على جميع المستويات المجتمعية، فيعتاد بالتالي على أن الغش مقبول اجتماعيا، وممارسة طبيعية رغم سماعه ترديد الكبار ‘من غشنا فليس منا’ دون تطبيق ذلك”.

ولفت إلى أن الطفل يفهم بسرعة أن الأهم بالنسبة لوالديه هو الحصول على علامات جيدة بغض النظر عن الطرق المستعملة، وأنهما لا يهتمّان بطبيعة ممارساته من أجل تحقيق الهدف.

وأكد المختصون أنه كلما تعدد أفراد الأسرة الواحدة، كان الاحتمال واردا في تعدد مظاهر المحاولات التي ينتعش فيها الغش في السلوك والعمل داخل الأسرة، فتنافس الأطفال في ما بينهم لكسب رضى الأب أو الأم، يدفعهم إلى سلوك الغش والتحايل والكذب داخل الأسرة، أو حينما لا ينتبه الآباء إلى تفاوت القدرات لدى أبنائهم، فتتم المساواة بينهم في التكليفات والواجبات، وهذا من شأنه تشجيع الغش في ما بينهم إثباتا للذات.

ويرى علماء النفس التربوي أن ظاهرة الغش سلوك ينمو لدى الفرد من خلال عوامل التنشئة الأسرية والاجتماعية وأن سلوك الغش غالبا ما يتطور من خلال بيئة تربوية واجتماعية توفر المناخ المناسب لذلك. ولهذا كان لسلوك الغش بشكل عام خطر ليس على الفرد الغاش فقط بل على أفراد المجتمع أيضا وتزداد مشكلة الغش وخطورته عندما يمس الشريحة المتعلمة أو المثقفة في المجتمع من تلاميذ وطلبة المدارس أو الجامعات والذين يفترض أن تكون وسائل التربية والتعليم قد هذبت سلوكهم وصقلت أفكارهم.

وأفاد باحثون أن خطورة الغش في الامتحانات لا تكمن في الجوانب المدرسية فقط بل تتعداها إلى جوانب حياتية أخرى، حيث أن الأطفال الذين يتعودون على عمليات الغش ويمارسون هذا السلوك طوال حياتهم التعليمية يُخشى أن تتكون لديهم عادة الغش في الكثير من جوانب حياتهم المستقبلية.

جدير بالذكر أن عدد محاولات الغش في تونس تراجع خلال اليوم الأول من الدورة الحالية للباكالوريا إلى حوالي 50 حالة مقابل 80 حالة غش تم تسجيلها خلال دورة 2019، وفق ما صرح به مدير الامتحانات بوزارة التربية محمد الميلي لـ”وات”.

21