الغضب الساطع سال شتائم

بعد فشل "حلم الربيع" الذي أضحى "خريفا طويلا" سرعان ما خرج هذا الغضب إلى العالم كلمات بذيئة ملأت الحياة الحقيقية وحتى الافتراضية.
السبت 2018/09/15
لم يعد هناك ما يخاف الشباب خسارته في ساحات الغضب

لسائل أن يتساءل أين ذهب الغضب العربي؟ إذ أن “العربي” منذ فجر التاريخ، على الأقل تاريخه المعاصر، وهو “غاضب” فهل أن غضبه لم يكن ساطعاً بما يكفي أو أنه ضل الطريق ولم يأت، مخالفا توقعات السيدة فيروز، وبذلك “لم نمر على الأحزان”، كما تمنت.

إن أهم ما ميز التاريخ المعاصر للعرب خضوعهم للامبريالية الاستعمارية ثم صراعهم مع إسرائيل الذي أفرز “نكسة”  ثم ”نكبة” وصولا إلى إعلان نقل السفارة الأميركية إلى القدس مؤخرا. كما دفع العربي ثمن أحداث 11 سبتمبر 2001 غاليا.

وقبل 8 سنوات تحديدا عاش العالم العربي على وقع غضب ترجم “ثورات” أراد الشباب من خلالها ربيعا عربيا أضحى خريفا طويلا.

وقد صرخ الكاتب الفرنسي ستيفان هيسل عشية “الربيع العربي” تحديدا في أكتوبر 2010 في كتاب “أتمنى على كل واحد منكم، أن يملك سبباً للغضب. عندما نغضب، نصبح مقاومين أقوياء وملتزمين”. 

ترجم الشباب العربي غضبه في مظاهرات سرعان ما اختفت من الشوارع وتحولت إلى ترندات غاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكما الحال دائما، صمتت الترندات بعد مدة وبات الغضب مكتوما في الصدور.

لقد تحول الغضب العربي من غضب مدفوع بالأمل في حياة أفضل إلى غضب مدفوع بخيبة أمل كبيرة فقط، فلا حرية ولا عدالة ولا كرامة تحققت بل أن الأوضاع ساءت أكثر.

إن هذا الغضب المدفوع بالإحباط تكون نتائجه كارثية، فلم يعد هناك ما يخاف الشباب خسارته في ساحات الغضب.

يشكل الشباب العربي نسبة مرتفعة جدا من السكان في الدول العربية مقارنة بدول العالم. وتشير الإحصاءات إلى أن الدول العربية تشهد انفجارا سكانيا يتفاقم عاما بعد عام. ومن المتوقع أن يرتفع عدد سكانها ليصل إلى 467 مليونا في عام 2025.

وبلغت نسبة الشباب الذي تتراوح أعماره بين 15 و24 عاما 20 بالمئة من السكان عام 2010، وهي نسبة مرتفعة جدا.كما ان نسبة البطالة في أوساط الشباب مرتفعة جدا في الدول العربية بشكل عام. وتشير الإحصاءات إلى أن نسبة بطالة الشباب في الدول العربية تتراوح بين 12 بالمئة و30 بالمئة، وهي نسبة مفزعة.

كما تشير الدراسات والتقارير واستطلاعات الرأي إلى أن الشباب العربي بشكل عام يشعر بالتهميش السياسي والاجتماعي والثقافي. هذا الحال البائس بالضرورة هو أحد الأسباب الكبرى لتوليد مشاعر الإحباط والنقمة والغضب.

لكن، بعد فشل “حلم الربيع” الذي أضحى “خريفا طويلا” سرعان ما خرج هذا الغضب إلى العالم كلمات بذيئة ملأت الحياة الحقيقية وحتى الافتراضية.

وتوجد الشتائم والكلمات النابية وما شابهها من الحركات والإشارات في كل اللغات والثقافات والمجتمعات منذ بداية البشرية، لكن وتيرتها زادت خاصة في العالم العربي.

ورغم أنه من وجهة نظر اجتماعية، يقبع مُطلقو الشتائم في الدرك الأسفل من السلم الاجتماعي، وحسب وجهة نظر دينية، من خلال آيات وأحاديث، سيقبعون أيضا في جهنم وبأس المصير.

وقانونيا يتعرّض الشاتم إلى عقوبة بدنية أو الغرامة المادية، فإن ذلك لم يثن الشباب العربي على إنتاج شتائم جديدة تتماشى مع أوضاعهم متناغمين بذلك مع أبحاث تثير الدهشة تؤكد أن الشتائم تحسن الحالة النفسية للإنسان وأنها تمنحه القوة وتشعره بالراحة. وتظهر دراسة أنّ الأشخاص الذين يطلقون الشتائم غالباً ما يكونون أكثر صدقاً من غيرهم.

ويرى عالم النفس الأميركي تيموثى جاي مؤلف “كتاب الشتم في أميركا” أن الشتم يلعب دوراً مهماً في تخفيف الضغوط النفسية ونوبات الغضب.

وفي السنوات الأخيرة، واعتراضا على قرارات سياسية واقتصادية واجتماعية مجحفة ترى النظم العربية أنها “تصب في مصلحة المواطنين”، كثر التفنن في توجيه الشتائم من كل شكل ولون للأوطان والزعماء... بل للجميع.

لا يشتم العرب، شيبا وشبابا، محيطهم فقط بل وصل بهم الأمر حتى شتم أنفسهم.

ويمكن النظر لتوجيه الشتائم، باعتباره شكل الغضب الوحيد تقريباً، الذي يستطيع المواطن العربي التعبير به.

إنه زمن البذاءة بلا منازع حتى يحترم الجميع أنفسهم، من مواطنين وحكام أو يأتي الغضب الساطع الذي طالما انتظرناه ليأكل الأخضر واليابس و”نبني أوطانا على نظافة”.

20