الغضب.. سجن للكراهية يترجم بصورة عنف موجه إلى الآخر

مثل بقية العواطف الإنسانية الأخرى، يعبّر فعل الغضب عن شعور فطري ينتاب الإنسان في أوقات مختلفة ولأسباب عديدة، وفي الوقت الذي يمثل فيه بكاء الطفل الرضيع وصراخه أحيانا رسالة مباشرة تمثل شكلا من أشكال الرفض أو طلب المساعدة من الآخرين، والأم تحديدا، للتخلص من واقع مزعج، وهي اللغة الوحيدة التي يمتلكها الطفل، يمثل الغضب لدى البالغين، أيا كانت أشكاله ودرجاته، لغة أخرى للتواصل مع الآخرين، وفي جوهره هو صرخة أيضا لطلب المساعدة في محاولة للتخلص من ألم أو معاناة، قد لا يعيها الشخص الغاضب بصورة مباشرة، لكنها تخرج بهذا الشكل لتصل رسالة واضحة ومكشوفة إلى الآخرين.
الأربعاء 2016/10/19
انفعالات لا يمكن السيطرة عليها

غضبنا مثله مثل صراخ الأطفال، ينشأ من إحساس بالكرب، الخوف، الخجل، الشعور بالعجز وربما عدم الثقة بالنفس. ويرى برنارد غولد؛ مؤسس المركز التعليمي لإدارة الغضب في ولاية شيكاغو الأميركية وهو طبيب نفسي لما يقارب من 40 عاما، يرى أن الغضب في العادة يشدّ انتباه الناس، فمشاعر الشخص الغاضب تتماهى مع حالته الجسدية بصورة تجعله يفقد إحساسه بما يحيطه من أشياء وأشخاص، وتمثل كل لحظة غضب استراحة وتنفيسا لألم داخلي لا يطاق، وكلما زادت التعبيرات الجسدية والانفعالية حدة، تناقصت حدة الألم الداخلي، ووفقا لهذا المنظور، فإن الغضب هو شكل من أشكال الشفقة على الذات. وفي محاولة لفهم الغضب، يتوجب علينا أولا فهم أفضل لمصادره سواء كانت أشخاصا أو أشياء في محيطنا، وقد تنبع من داخل أنفسنا أيضا، المصادر التي تثير كل هذا الألم الداخلي وتحرّك فينا مشاعر عنيفة لطرده وإزالته، مثل إزالة صخرة كبيرة تحاول كتم أنفاسنا.

ويرى متخصصون في علم النفس أن محاولة التعرف إلى مصادر الغضب وأسبابه، هي وسيلة جيدة لفهمه ولفهم بقية المشاعر الإنسانية وهذا يؤكد بدوره على أن سلوك الإنسان هو أكثر من مجرد ردّ فعل ميكانيكي أو لغوي مباشر؛ فالسلوك هو مرآة لما يحدث داخل النفس البشرية من دوافع تبدو غامضة إذا لم يسمح لها بالخروج إلى النور على شكل سلوك يعكس محتواها، من غضب أو حزن أو فرح وغير ذلك.

في كتابه “استراتيجيات التغلب على الغضب المدمر”، يؤكد غولد على أن الخوف، القلق، الشعور بالعجز والضياع والإحباط، وراء معاناة الكثيرين من نوبات الغضب ولعل من أهم مصادر هذه المشاعر مجتمعة أو منفصلة، انعدام فرص العمل، عدم المساواة، تقاعس الحكومات عن أداء واجباتها تجاه المواطن وجشع أصحاب المال.

ويتأتى الغضب، تبعا لمصادر الإحباط هذه، من الرغبة في العيش بأمان وكرامة، وتأمين المعيشة وإشباع رغبات الحياة الأساسية، لكن تبقى لكل منا طريقته الخاصة في التعبير عن غضبه، وقد تكون للغضب جذور من سنوات طويلة من المعاناة لا تلبث أن تطفو على سطح الحياة اليومية، لدى أقل مصدر للاستفزاز فيظهر وكأنه امتداد لسلسلة طويلة من الإحباطات، والبعض من مصادر الغضب قد تكون غير ملموسة، مثل الخشية من تسارع وتيرة الأحداث في العالم والتغيّرات المطّردة في جميع نواحي الحياة اليومية، الأمر الذي يراه البعض تهديدا لروتين حياتهم واستقرارهم.

الشعور بالعجز والإحباط، وراء معاناة الكثيرين من نوبات الغضب ولعل من أهم مصادر هذه المشاعر انعدام فرص العمل

ويرجع العديد من المتخصصين نزعة التطرّف لدى البعض إلى سبب غضبهم المكتوم على الأوضاع، حيث ينشأ التطرف من خلال شعور الأفراد بالعزلة الاجتماعية والعجز عن مواكبة التطور، إضافة إلى افتقاد للمعنى الكامن في الحياة، وبهذا يحاول هؤلاء الخروج من الدائرة الضيقة والتخلص من الضغوط النفسية ليبحثوا عن صداقات أو انتماءات دينية أو اجتماعية متطرفة، لسدّ منافذ حاجاتهم النفسية بصرف النظر عن طبيعة هذه الانتماءات، وكلما زادت نقمتهم على المجتمعات التي يرفضونها والتي افتقدوا فيها التعاطف كلما زاد تطرفهم إلى الجماعات التي ينتمون إليها، وترجع الكثير من جذور الإرهاب إلى هذه الحلقة الضيقة من المعاناة. لهذا، يبدو التعاطف مع هؤلاء لمحاولة امتصاص غضبهم أمرا مهما، خشية أن يتوجه غضبهم ونقمتهم في اتجاهات لا تحمد عقباها، فالغضب يمثل سجنا للكراهية قد يقع في فخه البعض من الناس، ليعبروا عنه بصورة عنف موجه إلى الآخر.

ويصنف علماء النفس التعاطف إلى نوعين؛ التعاطف الوجداني والمعرفي، ويتأتى التعاطف الوجداني عندما نشعر بما يعانيه الآخرون أو ما يسمى علميا بـ”العدوى العاطفية”، ويتضمن احتواءهم ومحاولة فهم طريقة تفكيرهم. وفي الكثير من الأحيان، يأتي عجزنا عن التعاطف مع الآخرين من فشلنا في التعاطف مع أنفسنا وقصور وعينا الذاتي في ما يتعلق بمشاعرنا وأفكارنا وردود أفعالنا تجاه ما يحدث، وقد تتدخل أحكامنا القطعية في إضعاف هذه التجربة الذاتية، إضافة إلى ترفعنا وعدم رغبتنا في الاعتراف بمعاناتنا الداخلية وجروحنا النفسية والتصالح مع أنفسنا، ومن دون إبداء هذا النوع من التعاطف مع النفس يصبح من الصعب بمكان التعاطف مع الآخرين وتفهم دوافعهم ومشاعرهم أيا كانت سلبياتها.

ويعتقد غولد أن كل فرد منا ولد في إطار اجتماعي وقيمي معين، وهو يعمل كسياج غير مرئي يفصلنا عن الآخرين الذين ينتمون بدورهم إلى محيطات اجتماعية وقيمية أخرى، ولهذا فإن الأمر يتطلب منا أن نزيح هذا الجدار قليلا وأن نتخطاه ليتسنى لنا الاختلاط مع “الآخر” والتعرف إلى التحديات التي تواجه الآخرين، ونفسح لهم المجال للتنفيس عن معاناتهم وغضبهم بقليل من التفهم والتعاطف.

يتوجب علينا أن نتحلى بالشجاعة في محاولاتنا للنظر في جذور وأسس معاناة الآخرين، وهذا ليس بالأمر السهل فقد يكون مصدر انزعاجنا، لكنه أيضا مصدر للتعلم والفهم ولامتلاك رؤية واضحة عن أنفسنا وعن الآخرين، فهناك خياران لا ثالث لهما؛ أن نجابه غضب وثورة الآخرين بغضب مشابه أو محاولة فهمه على أنه طريقة أخرى لطلب المساعدة، فالشخص الغاضب هو ضحية دوما لانفعالات لا يمكنه السيطرة عليها، وهو ضحية لتجاربه في الماضي ولشعوره بالإحباط المتكرر.

21