الغضنفر

لم أكن أدري أن هناك بنوك معلومات، تشتغل بالأزرار، سوف تتطور بعد عشر سنين إلى نبع لا ينضب من المعلومات عن كل شيء في الدنيا!
الأحد 2019/11/03
نبع لا ينضب من المعلومات عن كل شيء في الدنيا

حتى ظهور الجيل الرابع من الحواسيب، في العالم الأول، كنا لا نزال في صحراء قاحلة حوسبيا. وفي بدايات استخدام الكمبيوتر، في الصحافة العربية، كانت الأجهزة قد تطورت، باستخدام الدوائر المتكاملة واسعة النطاق، المثبتة على شريحة سيليكون واحدة، وتطورت المعالجات المركزية في الأجهزة التي صغرت أحجامها، فطُويت مرحلة الأسطوانات الزجاجية المفرغة، أو “اللمبات” الشبيهة بالتي عُرفت في أجهزة الراديو القديمة، قبل اختراع الترانزستور.

في تلك الأيام، تأسست مراكز بيع المعلومات، بعد تخزينها وتسميتها بنوكا تفتح باب الاشتراكات لوسائل الإعلام جيدة التمويل، فيستفيد منها المحررون وكتاب الأعمدة ومختصو الغرافيك!

في تلك الأيام انعقدت الغلبة للصحافة المهاجرة، بحكم مساحة الحرية والتقنيات الطباعية ووفرة المعلومة. كنت واحدا من المبتدئين الذين اندهشوا من أداء بعض كتاب الأعمدة وظنوها نتاج ثقافة موسوعية. لم أكن أدري أن هناك بنوك معلومات، تشتغل بالأزرار، سوف تتطور بعد عشر سنين إلى نبع لا ينضب من المعلومات عن كل شيء في الدنيا!

ظل إعجاب الذي لا يدري، بالكاتب الغضنفر، يزداد في كل يوم، بحكم امتزاج رأيه المكتوب، بالخلفيات التاريخية والعلمية، معتقدا أن هذا الكاتب يعتصر عقله وينتقي من حوصلة قراءات متنوعة ومن ثقافة شاسعة، تَوفّر مثلها للكثيرين من السلف، شارحين وفقهاء وفلاسفة!

في ستينات القرن الماضي، لم يكن الناس في بلدتنا، يعرفون الثلاجة التي كانت قد عُرفت في بعض الحواضر العربية. فالكهرباء نفسها، لم تدخل إلى بلدتنا التي يسمونها مدينة، إلا في العام 1960. أما الثلاجة فقد ظهرت في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي، ولعلها غابت أو تعثرت وظيفتها، بانقطاع الكهرباء عن غزة في زمن استبدال الحصار بالاحتلال. كان للمرحوم والدي صديق عُرف ببخله، تعمّد أن يبادر في كل نحو شهرين بدعوة والدي إلى مشوار قصير في اتجاه القصاب، لكي يشتري لحما لأهل الدار. يفاجأ والدي بصاحبه يطلب خمس كيلوغرامات، علما بأن سقفه كان لا يزيد عن نصف الكيلو في حال البحبوحة. يسأله والدي مستغربا “هل لديك وليمة؟”، يردّ صاحبه “لا إنه لحم لأهل الدار”. لم يكن والدي يعلم أن شقيق صاحبه، المقيم في أميركا، أرسل إليه ثلاجة موصولة بمولد كهرباء صغير يعمل بالكيروسين. ولما انتشرت الثلاجة بعد 1967 وتوسعت المدارك، تساءل والدي بينه وبين نفسه، كمن توصل متأخرا إلى حلّ لغز كبير “كنت أتساءل كيف كان فلان يشتري لحما بتلك الكمية، ليوم واحد أو يومين؟.. لم تخطر في بالي حكاية الثلاجة العجيبة، التي تحفظ اللحم بالتجميد!”.

24