الغــفران

الجمعة 2014/02/07

في عام 1999 كتبت وأخرجت فيلما روائيا تلفزيونيا بعنوان “الغفران”، وكان ذلك أول أعمالي بعد أن عدت من جديد إلى سوريا والتي سبق أن غادرتها لمدة 10 سنوات.. (لتلك المغادرة قصة سأرويها حين أعود يوما للكتابة عن المخرج المسرحي المبدع فواز الساجر، وعن فيلمي الوثائقي الذي أنجزته عنه في عام 1988، والذي منع عرضه بقرار من إدارة التلفزيون السوري في ذلك الوقت)..

فيلم “الغفران” أثار حينها العديد من الآراء الرافضة له، والتي انقسمت بين فريقين أحدهما ينتمي إلى تهريج “الممانعة والصمود”، وفريق آخر لم يقتنع بفكرة الغفران تلك، معتبرا إياها مغرقة في الرومانسية وغير قابلة للتحقق.. فماذا كانت حكاية ذلك الفيلم، ولماذا كان تقبله صعبا؟

السيناريو الذي كتبته، يتحدث عن شاب قتل شابا آخر في صراعهما على الماء لسقاية الأرض المزروعة، وأثناء مطاردة أهل القرية لمرتكب الجريمة، فإن ذلك الشاب/القاتل يقتحم بيت أم القتيل للاختباء فيه، وهل من مخبإ آمن أكثر من بيت الأم، فهو آخر مكان يمكن لأحد في الدنيا أن يفكر في لجوء القاتل إليه.. وهكذا تبدأ رحلة تلك العلاقة الاستثنائية بين أم القتيل وقاتل ابنها، علاقة تنتقل من مرحلة الانتقام الذي تتعطش له الأم المفجوعة بفقدان ابنها، لتمرّ بحالة من الصراع الرهيب الذي تحياه الأم مع الذات والروح المتألمة، لكن الأيام تمرّ لتخلق شيئا فشيئا فضاءات مشتركة للروح، تخطفنا في عوالمها لنجد أنفسنا وقد وصلنا إلى مرحلة الغفران التي يتماهى فيها القاتل مع الابن، وترتقي فيها النفس فوق مشاعر الحقد والكراهية، فنرى “الابن الجديد” في نهاية العمل وقد غفا في حضن الأم تحت الشجرة وارفة الظلال أمام البيت..

تلك كانت قصة الفيلم، وتلك كانت طاقة جهنم التي فتحها عليّ “الممانعون المهرجون” في مديرية الإنتاج في التلفزيون السوري، والذين اتهموني بميول تطبيعية؟! وبدعوة واضحة للمصالحة مع إسرائيل؟! وكيف لهذا أن يحدث في سوريا الأسد، قلب العروبة النابض، والبلد الذي تكسرت على “صخرة صموده” مشاريع الكيان الصهيوني التوسعية؟!

أشخاص آخرون، والبعض منهم أصدقائي، مخرجون وممثلون وصحفيون، لم يتصالحوا مع فكرة الغفران تلك، واعتبروا أني مجرد حالم يبيع الوهم، وأن فكرة غفران أم لقاتل ابنها، وتبنّيها له بدلا من فلذة كبدها، ماهي إلا “شطحة” فنان يصعب تصديقها، بل وذهب البعض أبعد من ذلك حين عابوا عليّ التفكير بهذه الطريقة التي لاتمت للواقع بصلة.. أذكر يومها أن مذيعة في إحدى المقابلات التلفزيونية سألتني إن كنت بالفعل أعتقد بإمكانية حدوث مثل هكذا غفران، وحينها أجبتها، بأنه وعلى فرض أنكم تعتبرون ذلك ضربا من الأحلام لا يمكن حدوثه في أرض الواقع، فدعوني بالله عليكم أحلم بأن ذلك سيكون ممكنا في وقت قادم أرحب للإنسانية، وأكثر حبا بين البشر.. إنه حق الفنان في الحلم، وفي فيلم الغفران كنت أطرح ما تتوق إليه نفسي من ارتقاء للروح وسمو للمشاعر..

أكتب اليوم وأنا أتأمل هذا الكم من الدم السوري المسفوك، وإذا كنت أعتبر أن النظام المجرم في سوريا هو أصل العلة وسبب البلاء، فإنني مع ذلك أحاول العودة إلى مفهوم الغفران الذي طرحته في فيلمي قبل 15 عاما.. وحين أقول الغفران فإني أعي تماما بأن الأمر أعقد من مجرد تصوير فيلم، وأن نظام القتلة في بلادنا قد دفع بالسوريين إلى حافة الاقتتال الطائفي، وأدخل البلاد في حرب جهنمية أوصلتنا إلى لحظة يكاد يكون فيها الحديث عن الغفران ضربا من الخيال أو السذاجة.. كذلك فإن القول “دعونا نعود كما كنا”، هو قول فيه تنكر لأبسط قواعد العدالة في معاقبة المجرمين الذين تلطخت أيديهم بدماء الشعب السوري، وما لم تتمّ تلك المحاسبة لأولئك القتلة كائنا من كانوا، فإن الدرب سيبقى مسدودا لأي حديث عن أي غفران.. لكني سأترك أمر المحاسبة تلك للقانونيين من جهة وللسياسيين المشرفين على البلاد بعد سقوط مافيا الأسد من جهة أخرى.. أما أنا فإني سأفكر في إنجاز فيلم آخر يخاطب الحب في أرواح السوريين، الحب الذي يجعلنا نتحامل على جروحنا ومآسينا، ونضع الغفران نصب أعيننا.. سنكون جميعا بحاجة إلى روح تلك الأم التي غفرت لقاتل ابنها، وكلي إيمان بأن أرض سوريا مليئة بتلك الأمهات.. هكذا كان إيماني قبل خمسة عشر عاما، واليوم لن أسمح لنظام الإجرام أن يزعزع فيّ ذلك الإيمان.. سأكتب فيلما أتمنى فيه على أهل بلدي ألا يسمحوا لطغاة سوريا بتحويلنا إلى ذئاب تتعطش للانقضاض على بعضها، فالانتقام متاهة تقود كل طرقها إلى الدماء، والرغبة في الثأر شعور جهنمي عواقبه كلها مآس وكراهية، وقتل ودمار وحرائق للأرض والزرع والأشجار.. سيكون الغفران طريقنا كي نتعالى فوق ركام أرواحنا، وكي نجعل سوريا تقوم من تحت الدمار.. مشهد في بداية الفيلم لشمس أحلم بإشراقتها، ومشهد في نهاية الفيلم لقمر صيفي يضيء جبل قاسيون وينادي: قومي يا دمشق، يا أصل الدنيا.. وما بين الشمس والقمر رحلة الروح البشرية في ارتقائها وسموها.. رحلة الحب الذي أشتهيه أن يغمر العالم، فهل أنا فنان حالم؟ دعوني بالله عليكم أحلم..


* مخرج سينمائي وتلفزيوني سوري

17