"الغلابة" يدفعون ثمن الصراعات والنزاعات والطموحات

الجمعة 2014/01/10
دموع حرقة على الجنود المصريين الذين اغتالتهم يد الإرهاب

القاهرة - يدفع البسطاء من أبناء الطبقة الوسطى والفقيرة في مصر حياتهم ثمنا لصراعات ونزاعات وطموحات تعتمل سواء داخل السلطة الحاكمة أو المجتمع. يدفعون ثمن، أولا فساد الأنظمة والحكومات وتردي الأوضاع الاقتصادية والفوضى الأمنية، وثانيا أي صراع ينشب بين أركان السلطة سواء على كرسي الرئاسة أو كراسي المجالس النيابية، ثالثا صراع السلطة مع المعارضة سواء كانت هذه المعارضة أحزابا أو جماعات ليبرالية أو علمانية أو دينية، رابعا انتشار الأفكار المتشددة والتكفيرية والإرهابية وصراع أصحابها المسلح مع السلطة.

الثمن الذي يدفعه المصريون يبدأ بلقمة العيش والأمن والأمان وينتهي بالروح، وقد شهدنا خلال الفترة الممتدة من 25 يناير إلى 30 يونيو وحتى الآن، سقوط عشرات القتلى والمصابين جميعهم من أبناء هاتين الطبقتين ـ الوسطى والفقيرة ـ المنكوبتين، وجميعهم قتل أو أصيب غدرا وغيلة وخيانة وتآمرا، ومن شاء أن يتتبع الأمر خلال الأعوام الثلاثة الماضية سيجد مآسي عظيمة.

على أية حال سنتوقف هنا عند هؤلاء الجنود الأبرياء من أبناء القوات المسلحة والشرطة المصريتين، أغلبهم من أبناء الأسر الفقيرة والمعدمة، ينتمون إلى القرى والنجوع سواء ريف الدلتا أو الصعيد، ويسكنون في بيوت لا تتوفر فيها أدنى مقومات الحياة، فلماذا تلاحقهم الجماعات الإرهابية وتقتلهم غدرا وتمثل بجثثهم، أي جريمة شنعاء ترتكبها بحق شباب لا يتجاوز عمر الواحد منهم 22 عاما خرجوا من بيوتهم لأداء فريضة الخدمة الوطنية سواء في الجيش أو الشرطة.

هم ليسوا مقاتلين محترفين كونهم غير عاملين في الجيش أو الشرطة فأقصى مدة لأحدهم في الخدمة عامين ونصف العام وبعضهم من ذوي المؤهلات العليا الذي يقضي عاما واحدا فقط، وغالبا ما يتم تدريبهم تدريبا بسيطا.

عقب تولي الرئيس الإخواني محمد مرسي الحكم وقبل أن يكمل شهره الأول وتحديدا في 19 يونيو 2012 قتل مجندان وأصيب خمسة آخرون في هجوم مسلح، على نقطة أمنية بمنطقة وادي فيران، في محافظة جنوب سيناء، تلا ذلك وفي الأول من يوليو قتل أمين شرطة أثناء قيادة سيارته بالقرب من منطقة الساحة الشعبية بالعريش، وإصابة رقيب أول على إثر إضرام تكفيريين النار في سيارة شرطة تابعة لنقطة تفتيش «الجفجافة»، وإطلاق النار عليها، وعلى الأشخاص الموجودين في داخلها.

أمهات ثكلى يبكين أبناءهن الذين قتلوا غدرا

وبعد شهر، جاءت مذبحة جنود وضباط رفح الأولى التي راح ضحيتها 17 جنديا وضابطا من أبناء القوات المسلحة، قتلوا أثناء تناول إفطار في 6 أغسطس ـ رمضان 2012 حتى أن بقايا الطعام كانت في أفواههم وقد تم تمزيقهم إلى أشلاء، وهم من أبناء قرى ونجوع ومدن المنوفية والدقهلية.

وفي الأول من نوفمبر 2012 قتل ثلاثة من رجال الشرطة، وأصيب رابع في هجوم مسلح، على سيارتهم في طريق جسر الوادي بمدينة العريش. وفي 16 مايو 2013 قامت العناصر التكفيرية الإرهابية باختطاف 6 مجندين في الشرطة وجندي في سلاح حرس الحدود.

ولا يزال المصريون يذكرون رد الفعل المتواطئ من قبل الرئيس الإخواني محمد مرسي، حين طالب بحماية أرواح الخاطفين والمختطفين، والتمثيلية التي مثّلها وجماعته وأنصارهما لإبعاد شبهة التآمر والتواطؤ عنهم.

وقد وصل الأمر إلى بث فيديو للجنود السبعة المختطفين على موقع اليوتيوب على شبكة الإنترنت، وهم يناشدون محمد مرسي التدخل لإنقاذهم، وطالبوا الرئيس بسرعة تنفيذ مطالب المختطفين بالإفراج عن المعتقلين السياسيين من أبناء سيناء بأقصى سرعة، وعلى رأسهم الشيخ «حماد أبو شتية» المسجون على ذمة قضية اقتحام قسم «ثاني العريش».

وعقب سقوط حكم الجماعة الإخوانية الإرهابية بعزل رئيسها وتعطيل دستورها صعدت الجماعة والجماعات الموالية لها من هجماتها، ففي 5 يوليو 2013 قامت بهجمات متفرقة في العريش على مكتب محافظ شمال سيناء، مما أسفر عن استشهاد 5 مجندين من الشرطة وجندي من القوات المسلحة. وفي 15 يوليو 2013 استهدف المجرمون حافلة لعمال وموظفي معمل للأسمنت في مدينة العريش بواسطة قذيفة صاروخية ظنا منهم أنها تقل أفرادا من قوات الجيش والشرطة، ليسقط 3 عمال ويصاب 17 آخرين. واستمرارا للعمليات الدموية قام إرهابيو الجماعة بتفجيرين متتاليين في 11 سبتمبر في مدينة رفح، أوديا بحياة 11 جنديا وأسفرا عن إصابة 17 آخرين.

لا يكتفي الإرهابي بالقتل بل أيضا يخرب الديار

لكن المذبحة الأكثر بشاعة ودموية كانت في 17 أغسطس 2013 والتي يطلق عليها «مذبحة رفح الثانية» حيث هاجم تكفيريون مسلحون حافلتين تقلان مجندين تابعين لقوات الأمن المركزي ـ الشرطة ـ أثناء توجههما إلى مدينة رفح، أنزلوا سائقي الحافلتين وطلبوا منهما الابتعاد ثم بدأوا فى ربط الجنود من الخلف وفي إطلاق النار عليهم في الرأس والصدر، مما أسفر عن مقتل 25 مجندا، والناجي الوحيد كان مصابا بـ 6 طلقات.

وقد سقط عشرات الجنود ما بين قتيل وجريح في عمليات تفجير المنشآت الأمنية والحافلات الدورية، حيث قتل في تفجير مبنى المخابرات الحربية برفح في 11 سبتمبر 2013 6 جنود من عناصر قوات الأمن في انفجار سيارتين مفخختين بالقرب من المبنى وإصابة العشرات أثناء عملية تمشيط تقوم بها قوات الأمن، وفي هجمات متفرقة استهدفت قوات الجيش والشرطة في مدينة الطور في 7 أكتوبر 2013 قتل 9 جنود، وقتل في تفجير نقطة تفتيش بالعريش في 10 أكتوبر 2013 أربعة جنود من القوات المسلحة وضابط شرطة في هجوم نفذه انتحاري بواسطة سيارة مفخخة في نقطة تفتيش بجنوب العريش.

وفي 20 نوفمبر 2013 قتل 11 جنديا من القوات المسلحة وأصيب 37 آخرين في هجوم استهدف مجموعة من حافلات القوات المسلحة التابعة لكتيبة المشاة الموجودة في رفح كانوا متجهين إلى عملهم لحراسة مدرعات القوات المسلحة بعد انتهاء إجازتهم. وعند اتجاههم إلى منطقة الخروبة شرق العريش كانت هناك سيارة بيضاء اللون محملة بمواد شديدة الانفجار وأثناء مرور الجنود انفجرت السيارة فقتلت 11 وأصابت 37 جنديا وهشمت زجاج جميع الأتوبيسات وتدمير الأتوبيس القريب من السيارة بالكامل.

وأخيرا وليس آخرا لم تتوقف العمليات الإرهابية للعناصر التكفيرية وجاء تفجير مدينة المنصورة الذي خلف 54 قتيلا ونحو 120 جريحا معظمهم من جنود الأمن المركزي العاملين في مديرية أمن المنصورة، وهشم واجهات ومحتويات محلات وبنايات المنطقة المحيطة بها وقد تم التفجير عبر سيارة مفخخة بعشرات الكيلوغرامات من المتفجرات، ويعد الأكثر دموية في العمليات الإرهابية السابقة.

ويبقى أن نشير إلى أن الخسائر ليست مجرد أرواح وعاهات تخرب وتدمر حياةآلاف الأسر والعائلات، بل تمتد إلى خسائر مادية في المنشآت والممتلكات، ووفقا لتقدير خسائر تفجير المنصورة فإن خسائر أصحاب المحال التجارية والشقق السكنية وغيرها تجاوزت 41 مليون جنيه، وكما يقول المثل الشعبي «ميتة وخراب ديار»، فلا يكتفي الإرهابي القاتل بالقتل بل أيضا يخرب الديار.

12