الغلاف الرابع

الخميس 2015/10/08

يتحدد إقبال القراء على اقتناء كتاب جديد بأربعة عناصر، أولها تناقل الخبر من شخص إلى آخر، ثانيها وسائل الإعلام، ثالثها سمعة الكاتب، وأخيرا الغلاف الرابع أو ظهر الغلاف.

هذا الفضاء قلما يوليه الناشرون العرب أهمية كبرى، فهم عادة ما يكتفون بإدراج فقرة مستلّة من الكتاب، أو تلخيص مقتضب له، أو تذكير بسيرة الكاتب ومؤلفاته، أو تركه فارغا، والحال أنه صار في النشر الحديث مركزيا، تستغله الدور كإعلان إشهاري لترغيب الناس في قراءة مطبوعاتها، ولا نبالغ إن قلنا إنها تصرف في ذلك من الجهد مقدار ما تصرفه في تصفيف المصنف وتدقيق لغته وتعقب هناته وتخيّر غلافه، من أجل فعالية تجارية مجزية، لأن تحرير ذلك النص، القصير في حجمه الكبير في وظيفته، ليس بالسهولة التي نتصوّر، إذ يفترض أن يكون شاملا لعناصر عديدة ومتشعبة، كتحديد الجنس الأدبي، وتلخيص العقدة، وإيراد التيمات التي يعالجها العمل، وتحديد موقعه من الآثار السابقة، والإيحاء بلغة الكاتب وأسلوبه، ومدح ميزاته. كل ذلك في كلمات معدودة يراد منها جذب القارئ والتأثير على قراره.

هذا التقليد الذي ظهر في الولايات المتحدة منذ نهاية القرن التاسع عشر في شكل مذكرة إشهارية (وهي عبارة عن كلمة مدحية ينفح بها أحد الكتاب المعروفين زميله)، لم يظهر في فرنسا إلا عقب الحرب العالمية الثانية، وفي الجزائر العاصمة تحديدا زمن الاستعمار حيث نشر إدمون شارلو (ناشر ألبير كامو) كتابا لإمانويلروبليس واثنين لألبرتو مورافيا وضع على ظهر أغلفتها ما اعتاد أن يمدّ به الصحافيين للتعريف بالكاتب وكتابه. وقد درج عليه الناشرون منذ ذلك التاريخ ولكن باختلافات بيّنة، حول من ينهض بصياغة ذلك النص القصير.

بعض الدور تعتمد على وثائقها الداخلية كمذكرة لجنة القراءة عند تسلم المخطوط، ولائحة البيانات التجارية المفصلة التي توضع على ذمة مندوبي الدار، وتقديم الناشر الملخص الذي تزوّد به وسائل الإعلام ومواقع البيع وكتالوغات الموزعين، استنادا إلى فكرة عامة مفادها أن الكتاب ليسوا أفضل من يقدم مؤلفاتهم.

وهو ما يقرّه لفيف ممن يخشون المبالغة في الإشادة بأعمالهم إرضاء للناشر، كي يسوّق بضاعته، ولكن آخرين لا يجدون حرجا في تقديم مؤلفاتهم بأنفسهم، إما لطبع نرجسي جبلوا عليه، أو خوفا من التشويه. يقول جوليان غرين “إذا لم أتولّ ذلك بنفسي فسوف يتولاّه بدلا مني شخص آخر، وبشكل أسوأ”. أما باتريك موديانو فيفضل أن تدرج فقرة من كتابه لا يختارها أحد غيره.

كاتب من تونس

15