الغلاف.. وجاذبية التلقي الأولى

الثلاثاء 2017/09/26

جاذبية التلقّي الأولى تبدأ من علامات العلاقة مع الكتاب الذي يضم النصّ المراد تحويله إلى خطابٍ حين يكون بين يدي المتلقّي، وأولى مراحلها مع الغلاف. الغلاف هو النظرة الأولى التي تجذب الأنظار إليه، خاصة ذلك الكتاب الذي لم يتمتّع بقدرٍ كاف من الدعاية والإعلان والنقد، وقد وضع على رفوفٍ أو واجهة مكتبة لبيع الكتب، وحتى ذلك الكتاب الذي قرأ عنه المتلقّي ويريد الحصول على نسخةٍ منه، لمعرفة ما هو النصّ وما يحمله من دلالات. فإن هذه النظرة تحمل نصف الانجذاب الأول ربما حتى قبل معرفة العنوان وأهميته في الولوج إلى عالم النص.

الغلاف ليس حافظا لأوراق النص الأدبي أو بابًا من أبواب الصناعة، بل هو سبيلٌ من سبل الترويج أيضا واكتمال معنى النص. ولكل مرحلةٍ زمنيةٍ، ثمة غلافٌ يكون مشاعًا ومتداولًا وغالبًا في طبيعته، بما يمكن أن نطلق عليه الموديل، فهو أيضا يخضع للمتغيّرات الزمنية والمكانية والبيئية والسياسية بمختلف أدواتها وعناوينها. فالغلاف تدرّجَ من جلدٍ ملفوفٍ إلى جلدٍ حافظٍ لما بداخله إلى ورقٍ خطّ عليه العنوان بشكلٍ فني من قبل خطّاطين.

ثم إلى وضع خطوطٍ عريضةٍ ما بين العنوان والمؤلّف/ المنتج واختيار لون مناسبٍ. بعدها تحوّل إلى صورةٍ فوتوغرافية أو لوحةً فنيةً كلاسيكية، إلى صورةٍ تجريديةٍ أو تخطيط سونوغرافي في الوقت الراهن، حيث يتفنّن مصمّمو الأغلفة باستخدام التقنيات الحديثة للمزاوجة ما بين المعنى والمحتوى.

كل ذلك لأن العتبة التي تحيل المتلقّي إلى جمالية المحتوى هي الغلاف المتعانق مع جاذبية العنوان. ويرى الكاتب مَحمد بلوافي في مقال له نشره على موقع “ديوان العرب” حول قراءته لغلاف رواية أنه ألفى دلالات الغلاف تتضح بصورتين اثنتين:

أولاهما “صورة رمزية عميقة: حيث أن لكل شيء خلفيته المجازية، التي تحمل مدلولا واحدا خاصا على الأقل.

أما الصورة الثانية فهي صورة تصنيفية سطحية: حيث تصطنع الذات عن وعي أو عن غير وعي، تصنيفا معينا للأشياء يفرضه المجتمع”.

وهو ما يعني أن النظرة الأولى تخلق مفعول الانجذاب، الذي قد يقع على عاتق الدار ذاتها في اختيار التركيبة المناسبة للغلاف الملائم لنوعية المحتوى، لأن هناك عمليةً تفكيكيةً ستصاحب النقد في مثل هذه الأمور، ولهذا فإن الإعلان والترويج واحدة من علاماتهما استحسان اختيار الغلاف المناسب للكتاب المناسب.

وصار حديثا الآن أن المنتج يختار عددا من التصاميم ويطلب من زملائه وأصدقائه اختيار أنموذجٍ مناسب لمنتجه، وهو أمر قد يكون خطأ في بعض أوجهه، لأن الأصدقاء وخاصة في شبكة التواصل الاجتماعي لا يعرفون محتوى الكتاب، فغابت إحدى العلاقات بين الغلاف والمحتوى.

ولكن هذا يدل من جهةٍ ثانيةٍ على أن الشكل الخارجي هو النقطة الأولى للرؤية، واستحسان وترغيب الاقتناء أو القراءة. وهو مرتبطٌ ليس بخط العنوان أو الشكل الخارجي، بل حتى بتنسيق الألوان على الغلاف وتدرجها وأهميتها.

وفي ذات المقال يقول بلوافي “إن من شروط تصميم الغلاف الفعال، أن يكون قادراً على جذب الانتباه وإثارة الاهتمام، ولتحقيق هذه الغاية، فإنه يتطلب خاصيتي التناسب والمرونة البصرية، لتحقيق أفضل تمركز بصري ممكن، من شأنه أن يساعد على التحكّم في حركة العين، التي تنجذب نحو الأشياء ذات الأحجام الكبيرة، والأشكال البارزة والصور المحفزة والألوان المثيرة”.

ولهذا لا يمكن فصل الغلاف عن عملية جذب المتلقّي إلى القراءة واهتمام النقاد بما يحتويه الغلاف من علامات دالة تمكنه من استنطاقها سيميائيا أو تفكيكيا، أو التعامل معها ظاهراتيا.. ما دام الغلاف يعدّ واحدا من مكوّنات النصّ الموضوع بين دفتي كتاب، وصار له غلافان وعنوان.

كاتب عراقي

14