الغلوكوما يمكن أن تؤدي إلى العمى

الشكل الأقل شيوعًا من الغلوكوما يمكن أن تكون له أعراض فورية ودقيقة، بما في ذلك ألم العين والتشويش والصداع.
الثلاثاء 2019/07/09
الغلوكوما يصعب اكتشافها مبكرا

كشف فريق من الباحثين أن الغلوكوما (المياه الزرقاء) مرض خطير يهاجم العين ويصيبها بالشلل وقد يفقدها حاسة البصر. ومما يصعّب عملية التوقي من العمى عدم القدرة على اكتشاف علامات المرض مبكرا. وتظل الغلوكوما تتطور في صمت إلى غاية الوصول إلى موت الخلايا البصرية.

واشنطن – تخطت طبيبة العيون سيلفيا غروث أبواب معهد فاندربيلت للعيون في ناشفيل بالولايات المتحدة الأميركية، بعد قضاء يوم عصيب تحدثت فيه مع ما لا يقل عن شخص واحد كان قد فقد بصره جرّاء الإصابة بالغلوكوما.

ونقلا عن صحيفة الواشنطن بوست الأميركية، قالت الدكتورة غروث “أشعر بحزن شديد كلما أقوم بتشخيص الغلوكوما في مراحلها المتقدمة.. إنه شعور يائس عندما تدرك أنك لا تقدر على فعل شيء”.

تعد الغلوكوما أحد الأسباب الرئيسية للعمى الذي لا يمكن علاجه، وهي مرض يصيب العين بالشلل ويقتل الخلايا العصبية الحيوية في الجزء الخلفي من الشبكية. أكثر من 70 مليون شخص في العالم يعانون من الغلوكوما وثلاثة ملايين منهم أصيبوا بالعمى. ويؤكد الأطباء أنه لا يمكن فعل شيء لاستعادة الرؤية بمجرد فقدانها، وحتى أفضل العلاجات لا يمكنها أن تؤدي دائمًا إلى إبطاء تفاقم المرض. لكن الباحثين يتوقعون إمكانية تقديم علاجات لحماية الخلايا العصبية في العين وربما حتى استعادة البصر المفقود، يوما ما.

يقول أخصائي طب العيون ليونارد ليفين، من جامعة ماكغيل في مونتريال، “إننا نحرز تقدمًا في مختلف العلاجات”.

ومنذ مدة طويلة فهم الباحثون أساسيات الشكل الأكثر شيوعًا لمرض الغلوكوما والذي يطلق عليه اسم “الغلوكوما ذات الزاوية المفتوحة”؛ تغذى العين عادة بسائل فاتح اللون يسمى “اكووس هيومر” يحافظ على تضخم مقلة العين ويجعلها ممتلئة وأكثر صحة، لكن أحيانا قد تتضخم العين بشكل مبالغ فيه.

وإذا لم يتم صرف سائل “اكووس هيومر” كما ينبغي، سيزداد حجم الضغط على العين ويمكن أن يتسبب ذلك في سحق الخلايا داخل العصب البصري، وهو الناقل الحسي الذي ينقل الصور من شبكية العين إلى المراكز البصرية للمخ.

يقول أخصائي طب العيون هاري كويغلي، من جامعة جونز هوبكنز الأميركية، “قد يؤذي الضغط الخلايا العصبية بطرق أخرى أيضًا”.

وتجدر الإشارة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الغلوكوما ذات الزاوية المفتوحة قد لا تظهر عليهم الأعراض مبكرًا، حتى بعد موت الخلايا العصبية. وإثر تفاقم الحالة المرضية، تؤدي الغلوكوما إلى تآكل الرؤية ببطء، مما يؤدي إلى تشويش أطراف الصور والمشاهد التي يراها المريض.

بمرور الوقت، قد يصاب الأشخاص بـما يطلق عليه اسم “تونال فيجن” (رؤية النفق) مما يجعلهم كما لو كانوا ينظرون من خلال أنبوب رقيق.

وإذا مات عدد لا بأس به من الخلايا العصبية البصرية، يفقد المريض بصره تماما.

مرض قادر على قتل الخلايا البصرية
مرض قادر على قتل الخلايا البصرية

لفت الباحثون إلى أن الشكل الأقل شيوعًا من الغلوكوما يمكن أن تكون له أعراض فورية ودقيقة، بما في ذلك ألم العين والتشويش والصداع والتقيؤ.

ومنذ مدة طويلة حدّدت العلاقة التي كثيرا ما تجمع بين الغلوكوما وضغط العين طريقة العلاج الأساسية. وقد تبين أن قطرات العين والعمليات الجراحية التي تساعد على انخفاض الضغط يمكن أن تبطئ الضرر أو تمنعه.

يذكر أنه قد تمت الموافقة على عدد من الأدوية الجديدة من قبل إدارة الغذاء والدواء الأميركية، مما يتيح للمرضى والأطباء خيارات جديدة للعلاج خلال 20 عامًا. ومن بين أدوية العيون قطرات “روبريسا” التي تحسن تدفق “اكووس هيومر” من أنسجة التصريف في قاعدة القرنية. وهو تقدم مهم جدا، كما يقول كويغلي، لأن المريض يحتاج إلى استخدامه مرة واحدة فقط في اليوم.

ويقول أخصائي العيون “إنه دواء يحاول مرضاي استخدامه. وهي محاولة يقوم بها من فقدوا بصرهم ولكنهم لا يريدون إجراء عملية جراحية”.

ويضيف كويغلي أن للدواء أيضًا آثارًا جانبية قوية، بما في ذلك أثر ما يسمى بالعيون الدامية وعدم وضوح الرؤية، مما يجعله خيارًا أوّليّا سيئًا. ولفت العلماء إلى أن خفض الضغط ليس علاجًا مناسبا للجميع؛ وذلك لأسباب غير واضحة تمامًا، فمثلا يمكن أن يحدث تلف في العصب البصري عند الأشخاص المصابين بضغط عين طبيعي أو حتى منخفض. لقد وجدت الدراسات أن ما يقرب من 30 بالمئة من المرضى الذين يتلقون علاجًا مُخففًا للضغط من الغلوكوما يصابون بالعمى في عين واحدة  ونحو 10 بالمئة يصابون بالعمى الكلي في كلتا العينين.

تقول غروث “الضغط العالي هو عامل الخطر الوحيد القابل للتعديل (في حالة مرض) الغلوكوما، والذي تمكنا من تحديده”. الضغط هو “إجابة جيدة ويناسب بعض المرضى، لكنها ليست في الحقيقة الإجابة الكاملة”.

هذا الإدراك المتزايد لتعقيدات الغلوكوما ألهم الباحثين وشجعهم على إعادة التفكير في مقاربتهم. وبدلًا من مجرد خفض الضغط داخل العين، أصبحوا يتطلعون إلى تعزيز وحماية الخلايا العصبية نفسها، وهو تكتيك يسمى “الحماية العصبية”. ويرى العلماء أن هذا يمكن أن يمنع الغلوكوما ويحافظ على البصر بغض النظر عن مقدار الضغط الذي يسببه في العين.

يقول ليفين “في السابق، كان الهدف إبقاءَ الخلايا حيةً”. الآن يدرك الباحثون أن الخلايا لا يجب أن تنجو فحسب بل ينبغي أن تعمل أيضًا.

وتشمل علاجات المرضى المشاركين في الدراسة عوامل التغذية العصبية وجزيئات صغيرة يستخدمها الجسم لتغذية الخلايا العصبية المتنامية. كما تمت المصادقة على قطرات العين التي تحتوي على عامل نمو العصب البشري (آر.اتش.أن.جي.أف) -وهو نسخة معدلة وراثيا من عامل نمو طبيعي- من قبل إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية لعلاج التهاب القرنية العصبي، وهو مرض يصيب قرنية العين. وتجري الآن تجربة عشوائية صغيرة ومستمرة لـ”آر.اتش.أن.جي.أف”، تضم 60 مصابا بمرض الغلوكوما.

لم تظهر النتائج بعد، ولكن من الناحية النظرية يمكن أن يساعد “آر.اتش.أن.جي.أف” على منع الإشارة التي تخبر خلية العصب البصري بأن الوقت قد حان للموت وإنقاذ الخلية والحفاظ عليها تعمل.

كما أظهرت جزيئات واقية أخرى نتائج واعدة في الدراسات التي أجريت على الحيوانات؛ فقد وجد كويغلي وزملاؤه أن حقن توزاسرتيب -وهو مركب يثبط الإنزيم المسبب لموت الخلايا- يمكن أن يحمي الأعصاب البصرية للجرذان المصابة بالغلوكوما.

ويحاول كويغلي دفع شركات الأدوية إلى بدء تجارب سريرية للعقار لكنه قال إن ذلك لا يزال بطيئا ومحبطا.

الغلوكوما تعدّ أحد الأسباب الرئيسية للعمى الذي لا يمكن علاجه
الغلوكوما تعدّ أحد الأسباب الرئيسية للعمى الذي لا يمكن علاجه

وبالتزامن مع ذلك يقول ليفين إنه لا توجد تجارب سريرية متقدمة على نطاق واسع لأية أدوية محتملة من أجل الوقاية من الغلوكوما، مما يعني أن العلاجات ستتوقف لعدة سنوات. ورغم ذلك، ومع وجود عدد كبير من المرضى المتطوعين والكثير من التحديات، يتوقع أن تبدأ التجارب في غضون السنوات الثلاث القادمة.

إن حماية العصب البصري من التلف سيكون إنجازًا كبيرًا. ولكن العثور على طريقة لاستعادة البصر الذي ضاع من شأنه أن يغير اللعبة كليّا؛ لا يستطيع البشر ومعظم الحيوانات الأخرى إعادة نمو الخلايا العصبية البصرية بمجرد تلفها، لكن الجينات المعنية ببناء تلك الخلايا لا تزال موجودة، وإذا أمكنت إعادة تشغيل هذه الجينات بطريقة أو بأخرى -ربما بدفع من الخلايا الجذعية المحقونة- فقد تنمو خلايا جديدة قادرة على العمل واسترجاع البصر المفقود.

إلى حدود لحظة كتابة هذا المقال، اقتصر الباحثون على اتخاذ الخطوات الأولى نحو هذا الحلم. وقد أفاد فريق من جامعة جونز هوبكنز بأنه من الممكن زراعة خلايا عصبية بصرية بشرية في المختبر باستخدام خلايا جذعية معدلة وراثيا. ولكن، كما يقول كويغلي، هذا بعيد جدًا عن دفع هذه الخلايا فعليًا نحو نقل الإشارات البصرية إلى دماغ بشري.

ومن المرجح أن تظل العمليات الجراحية وقطرات العين معاييرَ العلاج، إلى أجل غير مسمى. يمكن أن تحدث هذه القطرات فرقًا كبيرًا للأشخاص الذين يعانون من الغلوكوما في المراحل المبكرة، لكنهم بحاجة إلى استخدامها بشكل صحيح والعديد منهم لا يفعلون ذلك.

في الواقع، يُعتقد أن عدم التزام المريض بالوصفة الطبية هو السبب الرئيسي وراء فشل علاجات قطرات العين في إبطاء الغلوكوما، وفقًا للباحثين هذا العام. وكانت دراسة سابقة -شملت حوالي 14000 مريض وتضمنت الوصفة الطبية التي استلموها قطرات العين لعلاج الغلوكوما- قد وجدت أن أكثر من 10 بالمئة فقط استخدموا قطرات العين التي نصحوا باعتمادها على مدار عام.

ولأن الغلوكوما في المراحل المبكرة لا تسبب -في الكثير من الأحيان- أعراضًا تتداخل مع الحياة اليومية، يقول كويغلي وغروث إن ذلك تحدٍ لإقناع المرضى بالتعايش مع الاحمرار والتهيج والآثار التي يمكن أن تحدث إثر استعمال قطرات العين. ويفسر كويغلي “إذا أعطيتهم علاجًا له أي آثار جانبية لن يلتزموا بذلك.

17