الغموض الأدبي ليس مجرّد ظاهرة سطحية

دراسات لكريستيفا وريشار وتودوروف وأنصي حول الشعر والغموض.
الأحد 2021/06/06
كيف تتشكل القصيدة وما دور الغموض والإيقاع (لوحة للفنان يحيى زكي محمد)

بين الوضوح والغموض، يراوح الأدب مكانه، بين فريقين، أحدهما يرى ضرورة الترميز وخلق نوع من الغموض في المعنى، والآخر يرى ضرورة إنشاء النص على البساطة، وبين هذين أيضا ينقسم القراء، لكن لا بد من وقفة تأملية حول مفهوم الغموض والوضوح، وهو ما يقوم به كتاب “هل يكون الغموض في المعنى؟”.

ما هي العناصر المسؤولة عن الالتباس الذي يحصل في النص؟ هل يعود ذلك إلى المعنى؟ أم إلى آلية إنتاج المعنى بشكل لانهائي؟ هل توليد المعنى يتم اعتمادا على الأهمية التي تُعطى للدال، كما في حالة اللغة الشعرية لياكوبسون، وتفرز كما في حالة النحو التوليدي بنية سطحية وبنية عميقة، وفي مستوى آخر نصا مولّدا génotexte ونصا ظاهرا phénotexte، في خضوع لإكراه الدال المتمثل في المجاورة في السلسلة الكلامية وفي التناغم أو التنافر الصوتيين، أو في خضوع لإكراه منطقي في علاقة العامل بالمعمول؟ أو في العلاقة بين الجملة الصغرى الرئيسية الغائبة غالبا في النصوص الأدبية المعاصرة، والجملة الصغرى التابعية أو “الجوابية” الحاضرة، حيث يترك لقراءة النص وحدها مهمة توليد الجملة الرئيسية؟ أم اعتمادا عى الأهمية التي تعطى للمدلول في مساراته التداولية المختلفة؟

انطلاقا من هذه التساؤلات كان اقتراح الشاعر المغربي محمد العرابي لترجمة مجموعة من الدراسات لرواد غربيين في التحليل من عيار جوليا كريستيفا، جان بيار ريشار، تزيفيتان تودوروف، ميكائيل ريفاتير، وجاك أنصي، والتي ترجمها وقدم لها في كتابه الصادر عن دار ظلال وخطوط الأردنية بعنوان “هل يكون الغموض في المعنى؟”.

المنطق والشعر

يرى العرابي في هذه المختارات من الدراسات أنها تقع عند تقاطع الآليات الوصفية اللسانية الموجودة على المستوى السطحي، وتلك التي تغوص في أعمق أعماق النص بحثا عن الذات وعن المستويات الرمزية من منظور التحليل النفسي الذي يقوم بتفجير البنية المغلقة، ويفتح النص على خارجه بالإحالة على تاريخ اللغة واللغات “بما فيها الآداب”، وفي نفس الوقت على تاريخ الممارسات السيميائية المختلفة للإنسانية عبر العصور: الأساطير، والديانات، والطقوس، والآلهة القديمة، إلخ..

ويشير إلى أن الدراسات تناولت بالدرس والتحليل أشعار عدد من الشعراء الرمزيين الفرنسيين وعلى الخصوص شاعرين إشكاليين ومفصليين في تاريخ الشعرية الفرنسية والغربية، رامبو ومالارميه. حيث تناول جان بيار ريشار “رامبو أو شعرية الصيرورة” وتناولت دراسة جوليا كريستيفا “التحليل الدلائلي وإنتاج المعنى ـ بعض قضايا دلائلية الأدب” نص ملارميه “ضربة نرد”.

ويقول العرابي “شكلت النصوص المختارة لها نماذج تنتمي في بعض جوانبها إلى ما سماه عبدالقاهر الجرجاني الاستعارات المعنوية”، ومعيارها أن البحث عن معاني هذا النمط من الاستعارات يمرّ عبر سيرورة طويلة، تعمل على توسيع المعنى إلى حد اللاتناهي “لا يمكن حصرها إلا على سبيل التقريب”، والشاعر الذي يتوسل بها “يشبه من يغرف من بحر لا ينقص منه شيء”. يتساءل الجرجاني، ما هو الموضوع المقصود في تعبير: “أعنة الصباح”، أو “أيادي الريح”، أو “أحصنة الشباب”؟ ويكون الاستنتاج “لا نستطيع أن نحدده بسهولة”.

في دراسة تزيفيتان تودوروف والتي حمل الكتاب عنوانها “هل يكون الغموض في المعنى”، يقول تزيفيتان “الفرق الصريح والحاسم بين التسلسل المنطقي والاستدعاء الرمزي ناتج عن أن الأول حاضر بشكل موضوعي فيما الآخر يحدث فقط في وعي من يتكلم ومن يسمع. وبناء عليه فإن الثاني لن يدرك أبدا في مستوى الدقة واليقين الذي يحوزه الأول، ولا يمكن إلا أن يقاربه؛ وقد بذلت جهودا كبيرة في محاولة لتحديد الاستدعاء، لكنها لم تتمكن أبدا من أن ترقى به إلى مستوى التفسير المنطقي”.

الدراسات تناولت بالدرس والتحليل أشعار عدد من الشعراء الرمزيين الفرنسيين وعلى الخصوص شاعرين إشكاليين هما رامبو ومالارميه

وفي رأيه حتى حينما يكون المعنى غير المباشر حاضرا ظاهريا، كما هو الشأن مثلا في الاستعارات الخاصة بالحضور، فإن مسعى التقريب بين معنيين، وجعلهما على قدم المساواة، يمكن أن يخضع لتأويلات لا حصر لها. فالتشبيه الأكثر وضوحا أي الذي يحدد نوع القرينة التي تجمع بين حدين، ينفتح بالمقابل دائما مزدوجا، مع حمله لتكافؤ سابق “منطقي” ولتكافؤ لاحق “رمزي”؛ الكتاب يعرفون هذا الأمر جيدا، فهم إذ يقومون صراحة بتعليل تشبيهاتهم، فإنهم يجعلونها تقوم بدور “المفجر لتداعيات على أصعدة أخرى”.

ولفت تودوروف إلى أن الإقرار بالغموض المؤسس لكل استدعاء في الغياب شيء ورؤية كل صيرورة رمزية على أنها ملتبسة في الجوهر، أو، وهو الأمر الذي يعود تقريبا لنفس الشيء، وضع كل الوقائع الرمزية على سلم للقيم تكون فيه الدرجة العليا محتلة من طرف الرمز الأقل تحديدا، هو بلا شك شيء آخر. ومع ذلك فنحو مثل هذا التقييم للغامض اتجهت جهود المنظرين والشعراء في الغرب ابتداء من المرحلة الرومانسية، مرورا بانقلابات “النزعة الرمزية” أو “السريالية”.

الرومانسيون، وهذا أمر صحيح، يسلمون بأن الوجود يقع بين قطبين من الحقل الرمزي، يدعونهما “الأليغوريا” و”الرمز”؛ لكن تفضيلهم لهذا الأخير بديهي جدا، حد أن الأليغوريا لا تظهر لهم إلا على أنها رموز غير موفقة. وإذن فإن الخاصية غير المستنفدة والعصية بالتالي على التعبير لأحدهما، المغلقة والمحددة للآخر، هي المسؤولة عن معارضة الشكلين لبعضهما البعض، بغض النظر عن التسميات المختارة لتعيينهما.

الفكرة داخل الرمز، يقول هامبولت “تبقى دائما وأبدا، عصية على القبض في ذاتها”، “وحتى مع أنها ملفوظة في كل اللغات، تبقى مع ذلك عصية على القول”، يضيف غوته. نفس الأمر نجده في التقابل بين التشبيه والرمز، عند هيغل، أو بين النثر والشعر عند شليغل “إن الرؤية غير الشعرية للأشياء هي تلك التي تعتبرها محددة تلقائيا بواسطة إدراكات المعاني وتحديدات العقل؛ والرؤية الشعرية هي تلك التي تؤوّلها باستمرار، وترى فيها خاصية مجازية غير مستنفدة”.

قصيدة النثر

نصوص مختارة شكلت نماذج تنتمي في بعض جوانبها إلى ما سماه عبدالقاهر الجرجاني الاستعارات المعنوية
نصوص مختارة شكلت نماذج تنتمي في بعض جوانبها إلى ما سماه عبدالقاهر الجرجاني الاستعارات المعنوية

أما ميكائيل ريفاتير في دراسته المعنونة بـ”دلائلية النوع: قصيدة النثر” فرأى أن أغلب الدراسات حول قصيدة النثر عموما تكتفي بتحليل النصوص المندرجة تحت هذا الاسم، لمجرد أن الشاعر أو الناقد قد جعلها بهذه الصفة. وربما تذهب إلى حد بيان كيفية اشتغال هذه النصوص، ولكنه يتعذر عليها أن تقبض على الخصائص المميزة لها عن الخطابات الأدبية عامة، فضلا عن إخفاقها في تحديد السمات الكونية الخاصة بقصيدة النثر.

وإذا كان سهلا تمييز مقومات هذه الأخيرة عن تلك المتعلقة بالقصيدة العروضية، فإن الأمور تعود في غاية الصعوبة لتمييزها عن النثر “هذا دون الحديث عن النثر الشعري  الذي لا يعتبر على أي حال أولوية في التحليل النصي المعاصر”.

لقد ذهب أراغون إلى حد القول إنه “لا توجد ضوابط تمكننا من التعرف على قصيدة النثر من قطعة نثر معزولة”. ومع ذلك فملاحظته لا تكتسي مشروعيتها إلا في حالة واحدة؛ حينما يعزل الشاعر اعتباطيا مقطعا نثريا ويعنونه ويدعوه “قصيدة”. هذا المقطع لا يعود شعرا إلا حينما تفرقه البياضات، محددة إياه كموضوع للتأمل، بغض النظر عما يحمله من معنى، ما دام قد تم عزله عن سياقه المولد، وعن الجمل التي يمكن أن ينزاح عنها. يصبح شعرا لنفس السبب الذي تحوز فيه بعض الاستشهادات، وهي معزولة عن سياقها، على وضع أدبي قائم الذات كأمثال سائرة، ولنفس السبب الذي يجعل من شيء مؤطرا أو جاهزا للاستعمال موضوع تأمل.

ورأى ريفاتير أنه لحد الآن كل المحاولات ركزت جهودها على البحث عن السمات الصوتية والإيقاعية الخاصة بالوزن داخل النثر، فيما لا تحتوي الكثير من قصائد النثر على أي من هذه السمات.

الفرق بين التسلسل المنطقي والاستدعاء الرمزي أن الأول حاضر موضوعيا والثاني يحدث في وعي من يتكلم ومن يسمع

وقال “إن ما يميز قصيدة النثر بالنسبة إليّ، هو وجود مولدة تضطلع بوظيفتين عوض وظيفة واحدة: فهي تولد الدلالة كما هو الحال في كل شعر، وتولد في نفس الآن ثابتة شكلية، خاصيتها أنها منتشرة مع النص، وغير منفصمة عن الدلالة. وهذه الثابتة الشكلية تتميز بانعدام الحواشي ولا تتخللها البياضات؛ إن ما يميزها هو تشابك متتاليتين تحيدان في نفس الآن عن المولدة، الأمر الذي كانت الأبيات تضطلع به: لذلك لا يغدو النص محددا فقط بشكل تضافري، بل إنه يصبح باديا للعيان، ووضوحه لا يمكن إلا أن يسترعي انتباه القارئ”.

وأكد وجود اختلاف فعلي يميز قصيدة النثر عن القصيدة العروضية، ذلك أن الشعر الموزون قد لا يكون في حاجة إلى مولدة، وبعبارة أخرى يمكن للمولدة العروضية ألا تكون متوقفة على المولدة الخاصة بالنص: فهي تالية للنص، مثلها في ذلك مثل أي مفهوم آخر. بينما في قصيدة النثر تستبدل المولدة الشكل الجاهز بشكل اللغة الفردية المعمول خصيصا ليوائم القصيدة. ولأن قصيدة النثر تولد من ثابت يحددها ويشكل جوهرها فإنها تتلاءم دائما مع هذا الثابت بشكل تام ونهائي. وفي الأخير فإن هذا التدليل المنبثق عن التناص، يقدم نفسه كمعنى، وليس بالضرورة كمحتوى. وينزع المعنى لأن يصبح تجليا للشكل؛ فعل التعريض للرؤية لدى إلوار، “النتوء” أو الفكرة عند بونج. إن قصيدة النثر لا تبعد أن تكون محاكاة للواقعية الأدبية نفسها.

وفي دراسته “نقد الإيقاع” التي يستقصي فيها كتاب هنري ميشونيك، أوضح جاك أنصي أن “العروض لأنه بنية شكلية ثقافية بالأساس يسبق النص في وجوده. إنه يعبر الأزمنة. إنه لا تاريخي ولا إيقاعي، لذلك يمكن لبيتين من الشعر أن يكون لهما نفس الوزن لكن ليس لهما نفس الإيقاع. الوزن ثقافي، فيما الإيقاع ذاتي. من دون الأخير فإن الشعراء الذين يستعملون نفس الوزن سيجترون جميعا وبلا نهاية نفس الكلام”.

وأضاف “من هنا أهمية الشعر الحر، الذي إذا لم يكن مجرد عبور لما يسميه ميشونيك ‘القصيدة الحرة‘، فهو قد طرح للمرة الأولى، في نهاية القرن التاسع عشر، مسألة نثر القصيدة وليس قصيدة النثر، وكشف عن الخاصية الذاتية للإيقاع. إن المعنى الذي يفهم اليوم كفعالية للذات، المنتوج من اللغة بكاملها، وليس فقط من المعجم، يوجد إذن في الإيقاع وليس في العروض. من هنا أولية هذا الأخير، أي ما ندعوه اليوم توفيقيا”.

12