الغناء الراقي

الأحد 2016/12/11

منذ حين تصدح فيروز “يخرب بيت عيونك.. شو حلوين” يشعر المستمع بأنه قد انتقل معها من عالمه الخاص إلى عالمها الشخصي، عالم موسيقي ساحر لا يمكن الصمود أمام سحرة سوى بالانغماس الكلي فيه. هكذا هي فيروز، حمامة لبنان المطوقة بالحب والإعجاب من لدن الجميع، جميع عشاق الفن الموسيقي الرفيع. إنها مالئة دنيا الموسيقى وشاغلة ناسها كبيرهم وصغيرهم على حد سواء. حين تصدح فيروز لا مجال للحديث في الأمر، فالموسيقى وحدها لها الكلمة، وللألحان وحدها حق الانطلاق نحو الأعالي حيث الطيور ترهف السمع كي تستمتع بما تسمع.

بالنسبة إليّ شخصيا، يهزني صوت فيروز وهي تغني لهذه العيون الفاتنة، لهذا السحر الكامن في العيون الأنثوية الخلابة. يهزني صوت فيروز وهي تشدو بكل ذلك العمق الإنساني الذي يدفع بالعاشق إلى حد الوقوف على حافة الأغوار النفسية البعيدة. يهزني صوت فيروز وهي تغوص في مديح هذه العيون. عيون “عالية” التي لا تغيب عن الذكرى. عيون “عالية” التي لا يمكن أن يظل الناظر إليها محايدا. “يخرب بيت عيونك.. شو حلوين”.. لازمة حب، تعويذة من السحر، رغبة دفينة في الوقوع في دائرته، جملة مفارقة تجمع الرغبة في تقبيل العينين والرغبة عن ذلك، والاكتفاء بالنظر إلى السحر المنبعث منهما، في ثنائية هائلة مذهلة يزيدها صوت فيروز اشتعالا. هذا الصوت الملائكي المذهل، إنه صوت يتجاوز الكينونة الإنسانية ليذهب بها بعيدا. صوت يجعل الكل ينتظره بكامل الشوق وبكلية الرغبة. في هذا الصوت تتجلى كل قصص الحب الرائعة من قصة “حنا السكران” إلى قصة العاشقة التي ظلت تنتظر عشيقها في عز المطر دون أن يتذكر الموعد الذي حدده معها، إلى غياب “شادي” الذي ظل صغيرا يلعب على التل. “يخرب بيت عيونك.. شو حلوين”.

سنرجع طبعا أيها الهوى لدار الهوى، شتاء وصيفا وربيعا وخريفا مع صوت فيروز. فهذه الأيقونة الكبيرة المحملة بعطر الياسمين والورد، ستحملنا إليك يا “عالية”، رغم غرورك البهيّ، فنحن العاشقون، لا يمكن إلا أن نذهب مع صوت فيروز إليك، أنت الساكنة في القلب. سنغني معا على نغمات صوت فيروز وسنسمع لها وهي تنقلنا إلى اللاّمكان، إلى حيث النفس تبحث عن نفسها وحيث القلب يبحث عن قلبه. سنلتقي مع صوتها تحت شجرة الرمان، سنسأل عن بعضنا البعض، وسنكتب على رمال البحر أسماءنا، أسامينا..

إنّ فيروز وهي تغني للعيون السود، وهي تغني للأسامي البهية، وهي تحكي عن “شادي” الصغير، وهي تصف الفتاة التي تنتظر قدوم الحبيب تحت زخات المطر، وهي تعلن الحب صيفا وشتاء، خريفا وربيعا، ترتفع بالفن إلى أسمى تعابيره الجميلة. إنها تمنحه قدرة التعبير وتجعله فنا عربيا أصيلا. تجعله فنا يعانق الأبدية ويمتزج بالمحبة الإنسانية الراقية.

هكذا هي فيروز، وهي تتقمص شخصية شهرزاد في “ألف ليلة وليلة”، وتمنح للعشاق بدل الحكايات الموغلة في الخيال والجمال، أغاني موغلة في الإمتاع و المؤانسة. لقد تحولت فيروز، عبر كل هذه السنين البهية التي شدت فيها بأغان رفيعة المستوى إلى أيقونة للغناء العربي الراقي، ذلك الغناء الذي يسمو بالنفوس ويهذب الأذواق. لقد استمعنا إليها صغارا وتابعناها ونحن في عز الشباب، وبقينا مولعين بها ونحن في قمة الرجولة. إن فيروز وهي تغني، تتجاوز آثار الزمن، وتَعبره عن طريق فن الموسيقى الرفيع.

لقد شكلت فيروز خلال كل هذه السنين التي غنت فيها وأطربت المستمعين لفنها الراقي، ظاهرة فنية جميلة ومؤثرة. جميلة لأنها غنت وأبدعت في الغناء، ومؤثرة لأنها تركت بصمات قوية في عالم الغناء العربي.

كاتب من المغرب

15