الغناء الريفي العراقي.. في الصوت لوعة وفي الفن ابتكار

الثلاثاء 2013/10/22
الأهوار بيئة مستقطبة للغناء الريفي

بغداد - تجد الصورة والمفردة الشعرية في الأغنية الجنوبية ليست كمثيلتها في المناطق الأخرى. تحت تأثير هذا التكوين الطبيعي والبيئي تكيفت أصوات المغنين بالفطرة لتأتي منسجمة مع إيقاع الحياة العام، ومنسجمة نغميا مع أصوات الطبيعة المائية الخضراء. أما الإرث الموسيقي للمنطقة فقد تجلى باكتشاف أول الآلات الموسيقية مثل الغيثارة في الحضارة السومرية (أكثر من 7 آلاف سنة) والتي تعد أقدم آلة موسيقية وترية عرفها الإنسان وآلة العود في الحضارة الأكدية وهي أول آلة موسيقية ذات ذراع عرفها الإنسان (4500 سنة).


أطوار ريفية


تسمى المقامات الريفية في العراق بـ»الأطوار ومفردها طور» وعدد الأطوار الريفية في العراق كثير، منها ما اندثر عبر القرون بسبب عدم التوثيق، ومنها ما يزال يستخدم إلى يومنا هذا مثل طور الصبّي، نسبة إلى الديانة الصابئية المندائية في العراق والملائي نسبة للطقوس الحسينية الملائية، والحياوي نسبة إلى أهل الحي في محافظة واسط.

ومنها ما ابتكر حديثا مثل طور الطويرجاوي نسبة إلى المطرب عبدالأمير الطويرجاوي الذي ينتمي إلى مدينة طويريج قرب محافظة كربلاء، وطور جبير الكون، وهو اسم شخص عاش في مدينة النجف خلال النصف الأول من القرن العشرين، و الشطري نسبة إلى حي الشطرة في محافظة ذي قار.

أما الآلات الموسيقية فهي (المطبج والناي) أهم الآلات التي اعتمد عليها الغناء الريفي من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر. والمطبج يصنع من الخشب، وهو عبارة عن قصبتين لا يتعدى طولهما 20 سنتمترا يربطان سوية وينفخان بالفم، مثل العزف على آلة الناي. ومن خلال الثقوب وبملامسة الأصابع لها يخرج اللحن، أما أصل هذه الآلة فيعود إلى الحضارة الأشورية.

اعتمد الغناء الريفي إيقاعيا على آلة (الدنبك)، وهي آلة إيقاعية أكثر شيوعا في الغناء الريفي يشبه الطبلة في الموسيقى العربية اليوم، ولكن الدنبك يصنع من الفخار ومفتوح من الجهتين فوهته الكبيرة تغطى بالجلد المدبوغ.

كما يسمون آلة (الخشبة) الإيقاعية وهي عبارة عن إسطوانة من الخشب بقطر 5 سنتمترات مفتوحة من الجانبين وضيقة من الوسط تغطى إحدى فتحاتها بجلد السمك الرقيق جدا.

حضيري أبوعزيز

ظل الغناء الريفي مغيبا لأسباب كثيرة، رغم وجود الكثير من المطربين الكبار والموهوبين الذين ابتكروا أنماطا غنائية حديثة من صلب البيئة الريفية، وأدخلوا في غناء الريف ألوانا كثيرة من الشعر الشعبي والفصيح والموشح.

ووضع بعض المطربين ألحانهم بأنفسهم رغم أنها كانت بسيطة التكوين أي أقل من «أوكتاف» موسيقي أو بضع علامات موسيقية، وذات مقام واحد أو مقامين في أفضل الأحوال.

لكن تلك الألحان كانت شجية ومعبرة ومليئة بالعاطفة وبساطة تركيبها كانت تجاري البساطة في الأغنية العربية خلال القرن التاسع عشر وبداية العشرين. والسبب الهام الذي جعل الغناء الريفي ينحسر كل هذه الفترة البعيدة حتى بداية القرن العشرين، هو انعدام وسائل الإعلام وعدم توفر المدارس الموسيقية في كل أنحاء العراق، وعدم اكتشاف تقنيات التسجيل.

أما في العقد الثاني من القرن العشرين وبسبب توفر وسائل الإعلام المسموعة ومن ثم المرئية استطاع الغناء الريفي في العراق أن يحقق بعض الانتشار.

رغم ذلك ظل الغناء الريفي يعاني من التغييب منذ منتصف الخمسينيات لأسباب سياسية، قياسا إلى المقام العراقي والموسيقى الغربية التي دخلت العراق مع الاحتلال البريطاني في العشرينات، وأخذت حيزا كبيرا في الإعلام والتعليم والمهرجانات والمحافل الموسيقية الدولية.

وبسبب الهجرة من الريف إلى المدينة منتصف الأربعينات عرف الغناء الجنوبي الانتشار وانحسر دور الألوان الأخرى.

ناصر حكيم


مطربون جدد


في منتصف الستينات والسبعينات ظهر مطربون وملحنون وشعراء يستندون إلى إرث الغناء الجنوبي مثل سعدون جابر، حسين نعمة، فاضل عواد، ياس خضر، فؤاد سالم، قحطان العطار، رياض أحمد، وحميد منصور الذين استطاعوا أن يثبتوا إمكاناتهم وأن يأخذوا مكانهم الصحيح.

في هذه الفترة ظهر العصر الذهبي للأغنية العراقية، حيث اعتمدت على قصيدة عميقة تحمل هموم الجنوب وحكمته، قصيدة بعيدة عن ترف المدينة وقد أصبحت لها مقدمة موسيقية طويلة ولوازم تتخلل الأغنية. مساحات الصوت الريفي أوسع من غيره بسبب التكوين الجغرافي وتعدد المقامات والإيقاعات.

فالمقارنة البسيطة بين أغنية (يا طيور الطايرة) وبين أغنية (طالعة من بيت أبوها) يجعلنا ندرك أن الأولى تحتوي على أربعة مقامات وثلاثة إيقاعات، أما الثانية فهي ذات إيقاع ومقام واحد كما يشير إلى ذلك أحمد مختار في واحد من بحوثه .

ومن أبرز الأسماء التي اشتهرت من الناصرية ناصر حكيم الذي اشتهر بصوته العالي والجهوري، وكان شاعرا وملحنا وله أغان مهمة في الغناء الريفي. حضيري بوعزيز مسعود العمارتلي والمطرب الريفي داخل حسن.

داخل حسن

وقد عاش هؤلاء في الفترة الزمنية نفسها، وكان داخل حسن الأكثر قبولا من قبل شركة «بيضفون» بسبب خامة صوته النادرة، التي تمتلك ترددات صوتية توحي بأنها أكثر من صوت في آن واحد، مما يصطلح عليه في العراق (البحة) أو التطويح، حيث حصل على حيز جيد في مجال التسجيل. ثم تسارعت إليه الشركات لأنه يمتاز بحنجرة غريبة، إضافة إلى إحساسه العالي بالجملة الموسيقية والشعر الذي يغنيه، رغم أنه كان رجلا أميا لكنه مطرب ذكي بالفطرة.

وفي عام 1948 شارك داخل حسن في التظاهرة التي تندد بتقسيم فلسطين، حيث رفعه الجمهور ليغني أغنيته المشهورة (أنا العربي تعرفوني) وإثر ذلك فصل من دار الإذاعة.

لكن بعد ثلاثة أشهر يتوسط له محبو غنائه ويخرج من السجن ويعاد إلى دار الإذاعة. يمتاز داخل حسن بقدرته على اختيار شعر يدخل إلى القلوب بسلاسة، كما يمتاز بذاكرة قوية فهو يجيد غناء كل الأطوار الريفية، وبأداء متقن غنى طور الشطري والمستطيل والمخالف والعياش حجاز والحياوي. أما طور المحمداوي فلم يغنه بكثرة، لأنه كان من اختصاص مدينة العمارة أمثال مسعود العمارتلي وسلمان المنكوب وفرج وهاب.

أما الفنان حضيري بوعزيز فهو لا يقل شأنا عن زملائه، كان خياطا في سوق الشيوخ يقضي نهاره بالغناء حتى مل منه أستاذه وأبعده عن الدكان، فركب ناصية الفن التي أوصلته إلى الشهرة وله حكايات طريفة من خلال الأغاني التي ألفها ولحنها وقام بأدائها. لكنه اشتهر بأداء «الصبّي» والصبّي من نغمة النهاوند ويقرأ بالأبوذية وينسب هذا الطور إلى «الصابئة» فسمي باسمهم .

16