الغناء العراقي، لماذا الحزن؟

الخميس 2017/10/26

وتسألني صبية عربية لماذا غناؤكم بكاء ونواح، حتى في الأعراس والمناسبات السعيدة؟ وكأنها توقد فيّ تواريخ سحيقة، من ذاكرة الوجع العراقي والحروب والانتكاسات والغزوات التي جعلت من أغنياتنا، مليئة بالشجن والأحزان والآلام وكأن المغني العراقي دون غيره ينادي أولئك الأسلاف في قوافل الشهداء ويستحضرهم، ويودع قوافل من الراحلين صوب المنافي بدأت من أول موكب لتموز في سومر حيث نواح عشتار، وهي تستحث أنليل أن يستجيب لها وينرج تموز من العالم السفلي ويعيد حبيبها، رمزا وكناية للموت الذي يخطف الرجال في معارك القوى الكونية.

وكأن نساء الوركاء تودع أنكيدو وهي تسمع نشيج جلجامش في ملحمته الشهيرة، حين فقد صاحبه في رحلته الأسطورية نحو الخلود وهو يقاتل خمبابا عند غابات الأرز الأسطورية.

وكأنها تسألني عن أولئك الفلاحين البسطاء في الجنوب الذين أغرقتهم فيضانات دجلة وغمرت حقولهم مياه الفرات، وحالت دون مواسم الحصاد.

نعم بنيتي: الأغنية العراقية لا بد أن تتوشح بأحزان لا تنتهي كي تكون منسجمة مع بيئتها وموروثها الاجتماعي، فأصحابها هم أحفاد أولئك الأسلاف الذين كابدوا كل تلك السنين العجاف في حروب ومواكب السبي البابلي، واحتضار الموتى وقطع الرؤوس وتعليقها على شرفات المباني حتى لحظة الحزن الأبدية حين سقطت بغداد العباسية العام 1258 على يد المغول، وألقيت مكتباتها في دجلة حتى امتلأ النهر بالكتب وأفرغت دور العلم من محتوياتها وقرطاسها وغدت حمراء بلون الحبر الذي جرفته مياه النهر.

الأغنية العراقية ابنة موت ذلك الشاعر المتنبي الذي لم يتمكن من الإفلات من قاتليه لبيت شعر قاله وأطر نهايته.

وتسألني لماذا الحزن في أغنياتكم، ونحن نستذكر رأس سبط رسول الله يقطع فوق أرضنا كما شج رأس أبيه خليفة المسلمين الرابع، في مسجد الكوفة، وكانت حادثة اغتيال جسيمة. ونحن نعيش فوق أرضنا التي امتلأت بدماء الصحابة في صفين ونرى مقتل العشرات من الفرسان الذين قاتلوا في بدر يدفنون فوق أرضنا بعد أن اغتالتهم الدسائس والفتن، ونحن نتحمل أوجاع الغزاة والطغاة الذين استباحوا أرض السواد، ومهبط الأنبياء.

بأي حزن نتوشح كي نغني لننادي أولئك الأسلاف ونستذكر مآثرهم وننشد للحظات وقع السيوف وترجل الفرسان وهم يصولون في منازع بيوت مناياهم، ويقفون بين أبوابها. بأي حزن نتلفع كي نغني ونؤلف أطوارنا الغنائية المحكومة بذكريات الفجيعة الكربلائية؟

كيف نسمع طور الصُبي على لسان داخل حسن وحضيري أبوعزيز، والطويرجاوي بصوت ياس خضر والشطراوي في حنجرة ناصر حكيم وحسين النعمة، والمحمداوي بصوت سعدون جابر ورياض أحمد.

فهل مازلت تسألين بأي حزن يغني العراقيون؟

24