الغناء الكورالي يوحّد السوريين موسيقيا في ملتقى الجوقات

ميساك باغبودريان: فن الكورال جسر الوصول إلى شعب واحد.
الخميس 2021/09/16
مئتان وخمسون مشاركا ينشدون التراث الغنائي السوري بصوت واحد

يرتقي فن الغناء الجماعي في سوريا إلى ما هو أبعد من كونه غناء يقدّم مجموعة من الألحان والأشعار التي يحفظها الناس في وجدانهم، ليكون عنصرا وطنيا يجمع المختلف. وفن الغناء الجماعي له جذور عميقة في تاريخ الشعب السوري والبعض يجعله حصانا رابحا في معركة الزمن المعاصر المتّسم بالتفرقة والعنف ليكون جسر تواصل ما بين مكوناته المختلفة. وملتقى الجوقات السورية خطوة في هذا الاتجاه.

دمشق – يُعرف عن سوريا أنها بلد عريق ضارب في جذور التاريخ عاشت على أرضه المئات من الأقوام والحضارات والأعراق البشرية المختلفة. وهذا ما أوجد وراءه تنوّعا كبيرا في اللغات والفنون وأساليب العيش. ومن خلال تكوينات شعبية عديدة، منها الموسيقى، خلص هذا المزيج البشري إلى بناء الحالة السورية الواحدة.

ورغم إكراهات الحرب التي مرّ بها البلد على امتداد عقد من الزمن، لكن معظم السورين يصرّون على أن التكامل والتعايش الذي ربطهم ببعضهم بعضا لمئات السنين سيبقى، وستكون سوريا واحدة بأهلها وفنها مهما حدث.

واقع جديد

من خلال هذه النظرة يغدو فن الكورال (الجوقات) واحدا من المرتكزات التي يبني عليها جزء من الشعب السوري جهوده للوصول إلى فكرة الوطن الواحد. وفن الكورال عريق في سوريا يمتدّ إلى فترات زمنية بعيدة. فقد احتفت بالغناء الجماعي الكنائس والجوامع. فغدا فيها ركنا أساسيا في الأنشطة الموازية للطقس الديني.

لبانة مشوح: فن الكورال يحمي التراث وينمي طاقات الشباب موسيقيا
لبانة مشوح: فن الكورال يحمي التراث وينمي طاقات الشباب موسيقيا

كذلك اهتمت به بعض الفعاليات الثقافية المحلية، فتأسّست بعض الجوقات في أطراف المدن السورية ومراكزها، هدفها تقديم الغناء التراثي والحفاظ عليه من الضياع. وساهمت الدولة في موضوع الغناء الجماعي وشكّلت فرقة للفنون الشعبية التي عنيت بتقديم وصلات من الغناء التراثي والرقص، على أن الأزمة السورية التي عصفت بالبلاد جراء الحرب بدّدت العديد من الجهود التي بذلت خلال العشرات من الأعوام في تأسيس هذه الجوقات، وبات هذا الفن محاصرا بمخاطر التلاشي. لكن نشاطا هاما بذل خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة من قبل بعض الكنائس في عموم سوريا للمحافظة على هذا الشكل الفني من الغناء الجماعي، وهو ما نجح المجتمع السوري في تفعيله في السنوات الأخيرة، فأُنشئت العديد من الجوقات الجديدة في أكثر من محافظة.

وفي العام 2017 وبمبادرة من المايسترو ميساك باغبودريان تمّ إطلاق مشروع ملتقى جوقات سوريا الأول الذي استضافته دار الأسد للثقافة والفنون في نهاية شهر فبراير من العام 2017، وذلك بحضور أربع جوقات من دمشق وخمس من بقية المحافظات السورية.

ولاقى المشروع حينها ترحيبا كبيرا من الجمهور المتعطّش لهذا النمط من الفنون، الأمر الذي دفع إلى إقامة الملتقى الثاني منه وفي الدار ذاتها، مؤخرا، وذلك بحضور أكبر لجوقات من باقي المحافظات السورية، والتي بلغ عددها ستا من خارج دمشق وأربعا منها، وبما يفوق المئتين وخمسين مشاركا في الملتقى، قدّمت الجوقات مقطوعات من موروث المجتمع السوري السرياني والكردي والعربي القديم والجديد كما أنشدت ترنيمات كنسية مختلفة ومقطوعات حديثة.

مشاركات متنوّعة

فن يلتقي فيه المختلف عرقيا وموسيقيا
فن يلتقي فيه المختلف عرقيا وموسيقيا

ضمن الأجواء التطويرية التي هدف إليها الملتقى في نسخته الثانية توسّعت المشاركة، فحضرت من دمشق أربع جوقات، هي كورال الحجرة التابع للمعهد العالي للموسيقى بدمشق بقيادة ميساك باغبودريان، وجوقة قوس قزح بقيادة حسام الدين بريمو، وكورال غاردينيا بقيادة غادة حرب وجوقة مار أفرام السرياني البطريركية بقيادة شادي سروة.

وشارك من المحافظات السورية كورال أرجوان في طرطوس بقيادة بشر عيسى، وكورال حنين من صافيتا بقيادة ماهر رومية، وكورال الراعي الصالح من اللاذقية بقيادة إلياس سمعان، وكورال سبينتاريان من حلب بقايدة مارغريت خجادريان بندك، وجوقة صدى من يبرود بقيادة باسل حداد، وجوقة السيدة العذراء أم الزنار للسريان الأرثوذكسي من حمص بقيادة إسكندر يوشع.

ولا يتعلّق موضوع وجود الغناء الجماعي بأنه يقوم على الغناء فحسب، بل إن المعنيين ينظرون إلى أنه يحقّق حالة من التناغم الثقافي والحضاري والديني بين مكونات المجتمع السوري العديدة والمختلفة.

وفي فن الكورال يلتقي الاختلاف العرقي أو الديني أو غيره موسيقيا، والاختلاف هنا يكون في النغمات ودرجاتها وآلات عزفها وكذلك من خلال طبيعة المشاركين فيه. لكنه في المقابل، أي فن الكورال، يجمع المختلف، فربما اجتمع في فرقة الكورال الواحدة الذكور والإناث وكذلك الكبار والصغار، كما أن الكورال يعلّم المُشاركين فيه أن الجهد الجماعي هو الذي يؤدّي إلى النجاح، وأن المُشارك هو جزء منه وليس كله، كما يعلّمهم الانتظار واحترام أداء الآخر، فمن يقدّم مقطوعته أو فقرته الآن منفردا، سيكون بعدها ضمن المجموعة، وهكذا ينتظر كل فرد دوره بهدوء.

ميساك باغبودريان: في الكورال تتشارك الطبقات الصوتية العليا مع المنخفضة
ميساك باغبودريان: في الكورال تتشارك الطبقات الصوتية العليا مع المنخفضة

وعن الملتقى قالت لبانة مشوح وزيرة الثقافة السورية “النشاط يُقام للمرة الثانية في دار الأسد للثقافة والفنون التي استطاعت أن تجمع العديد من الجوقات على امتداد سوريا. وبسبب تكاتف جهود الجميع من موسيقيين وتقنيين وإداريين وصل المشروع إلى هذه النقطة من النجاح، فأتى هذا الشباب الحيوي المليء بالطاقة كي يلبّي مطمح الجمهور بالاستماع إلى موسيقى وغناء راق من خلال هذه الفرق”.

وتابعت “ملتقى الجوقات في سوريا نشاط حضاري هام، كونه ينمّي العلاقة بين كل العاملين في هذا النمط الفني، ويؤمّن لهذا الشكل من الغناء الحماية من الاندثار وذلك بنقله للأجيال الشابة، ويخلق جيلا شابا مزوّدا بهذه الأغنيات التي أوجدتها حضاراتنا السابقة التي نعتزّ بها”.

وحول الملتقى وأهدافه، يقول المايسترو ميساك باغبودريان مؤسّس فكرة الملتقى “فن الغناء الجماعي ليس طقسا فنيا فقط، هو حالة إنسانية تعني المشاركة والتعاون والتعايش الاجتماعي بين عدة مكونات قد تكون مختلفة في ما بينها أصلا، ولكنها من خلال الكورال تغدو جسما واحدا يؤدّي عملا واحدا يكون الجميع مسؤولا عن نجاحه، ففي فن الكورال يشترك الرجال والنساء وتتشارك الطبقات الصوتية العليا مع الطبقات المنخفضة، وكذلك الآلات المختلفة.. ليكون الناتج النهائي مزيدا من الجمال”.

ولم تقف حدود الملتقى في نسخته الثانية هذا العام عند تقديم مختارات من الغناء السوري بقديمه وجديده، بل تمّ تنظيم فعالية موازية دامت أربعة أيام، قدّمت خلالها ورشات تدريبية في فن الكورال التي انقسمت إلى أربعة محاور هي: تقنيات الغناء الكورالي وأنماط الغناء، وأنواع المؤلفات الكورالية، وألعاب كورالية والموسيقى الشعبية السريانية. وفي اليوم الأخير من الملتقى قدّم كورال الحجرة بقيادة ميساك باغبودريان أعمالا كرّست ما تمّ تداوله خلال أيام الملتقى الأربعة.

14