الغنوشي.. ثقافة الفتنة بين الرؤية الفقهية والموقف السياسي

الأحد 2013/09/01
خطاب ظاهره المرونة وباطنه الانغلاق والتعصب

رغم أنّ شيخ الإسلام السياسي في تونس كان- ولا يزال- عضواً ضمن جماعة الإخوان المسلمين الدّولية، إلاّ أنّ السّبب الذي جعل خطابه يبدو للكثيرين كأنه منفتح على قيم الحداثة، يكمن في أنّه استطاع أن ينأى بنفسه عن العدوان الذي شنّه إسلاميو مصر والجزائر والمغرب على القوى الوطنية والتقدمية. وقتها أيضاً كان حجم الانغلاق الإيديولوجي كبيراً لدى الإسلام السياسي في مختلف الأقطار العربية.

وفي نفس الوقت كذلك، لم يكن إسلاميو تركيا قد نفضوا عنهم حقبة "الأب" نجم الدين أربكان، وكان جل إسلاميي العالم لا يزالون يرفضون كلمة الديمقراطية، ما دفع البعض إلى اقتراح لفظة الشورقراطية (وهناك فعلا اليوم حركة تسمى بالحركة الشورقراطية الدّولية!). وكل هذا في الوقت الذي كان فيه بعض السلفيين يرفض حتى وسائل التكنولوجيا الحديثة!

من أجل ذلك، كانت الفرصة سانحة للشيخ راشد الغنوشي ليبدو وكأنه أقل الإسلاميين انفصاما عن حقائق العصر. ولعل أجواء الرّعب البوليسي لدولة زين العابدين بن علي قد ساعدت على إبراز أهمية الديمقراطية بالنسبة للجميع. غير أن الديمقراطية تحتاج إلى مقوّمات.

وهي ليست مجرّد شعار للتداول.

مشكلة الشيخ راشد الغنوشي أنّه كان- وربّما لا يزال- يودّ التقدّم بالإسلام السياسي نحو عصر الحداثة السياسية. وهذا ما لا يمكننا إنكاره عليه، بل لعلّه سيكون مكسباً صريحاً للجميع.

لكن مشكلة الشيخ أنه في المستوى الفقهي والكلامي واللاهوتي، لم يستطع تجاوز السقف الفقهي للإخوان المسلمين. وهو سقف لا يزال متدنياً بالمقارنة مع متطلبات الحريات الفردية، والمساواة الكاملة بين الجنسين، والحاجة إلى رفع كافة أشكال التحفظ عن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، والنساء العاملات، والأمهات العازبات، وحقوق المرضى، وذوي الاحتياجات الخاصة، وكل ما لا يندرج ضمن الخطاب الديني التقليدي اللهم من باب الصدقة أو التوبة والهداية.

ومعلوم أنّ قيام حزب النهضة الذي يتزعمه الشيخ راشد الغنوشي، بعد نجاحه الانتخابي، بالتحفظ على مسألتي منع تعدّد الزّوجات ونظام التبني في تونس، قد أثار سجالاً كاد يهمش القضايا المستعجلة- إن لم يكن ذاك هو المقصود- لكنه طرح أمامنا معضلة انحدار السقف الاجتهادي بسبب التكوين الإخواني للشيخ الغنوشي، والذي لا يزال تبعاً لذهنية المفاضلة الموروثة عن آداب المناظرة والنقائض، يفاضل بين "التشريع الإسلامي" الموصوف بالإلهي و"التشريعات الغربية" الموصوفة بالفردية أو الوضعية أو المادية أو العلمانية.

وإن كانت المفاضلة خطأ فإن التفضيل خطيئة.

كتب الشيخ راشد الغنوشي يقول: "لا عجب أن بدت في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ملامح العلمانية أو الدين البشري القائم على أولوية الإنسان في الوجود وقيامه بنفسه مصدرا لكل حق وتشريع.. على حين يؤكد التصور الإسلامي ارتباط كل قيمة واستنادها إلى المصدر الذي تستمد منه الموجودات وجودها والغاية منه ومنهاج سيرها.. ألا وهو الله تبارك وتعالى فهو وحده الخالق والمالك لمخلوقاته، والمحدد منهاج سيرها (1).

هنا تعترضنا أسئلة واضحة وصريحة: إذا كان القانون هو قانون إلهي، فأين مكان العقد الاجتماعي؟ أين ممكنات التوافق السياسي؟ أليس المبدأ الناظم للحياة اليوم أن كل شيء قابل للتفاوض؟ فهل يجوز لي أن أتفاوض على "حق الله"؟ وهل تساعدنا المرجعيات الدينية المتعالية والمطلقة على اكتساب المرونة اللازمة لتحقيق التوافق السياسي؟ هنا تكمن حدود الاجتهاد الفقهي والتجديد الديني والإصلاح اللاهوتي، ما يجعل ممكنات التقدّم السياسي تشوبها عوائق في الرّؤية الفقهية.

نعم، لا يتردد الشيخ راشد الغنوشي في إقرار "حق الفرد في اختيار عقيدته بعيداً عن كل إكراه. وقد ضمنت الشريعة للإنسان هذه الحرية (كما يقول).. (مضيفاً) وفي الوقت نفسه لم تدخر وسعا في التأكيد على ضرورة إظهار الحق وإقامة البراهين على إقامة العقيدة وتحميل الأفراد والجماعة مسؤولية صيانتها والدفاع عنها، ومنع الفتنة عن معتنقيها ولو باستعمال القوة" (2).

وبهذا النحو، تبدو الرؤية السياسية مشوبة بتحفظات فقهية تنتمي إلى العالم القديم؛ فليس مقصوداً بالحق هنا غير "الدين الصحيح"، وأما استعمال القوة فلا يرادف بأي حال استعمال القانون.

وكمثال إضافي على التفاوت الحاصل بين الموقف السياسي والرّؤية الفقهية، كتب مؤكدا، لقد "كفل الإسلام لأهل كل عقيدة حق إقامة المعابد وإقامة الشعائر بها في حدود رعاية الرأي العام، والذوق العام للأغلبية" (3). وهكذا يبدو كيف أن "التسامح" في خطاب الإسلام السياسي مرتبط بسقف فقهي واجتهادي شديد التحفظ، كثير اللبس، وحائر متردد بين حقوق الإنسان و"حدود الله".

كتب أيضا يقول بلغة تكاد تختصر كل شيء: "واضح إذن أن المصدر الأوّل والأساسي لشرعية كل حاكم في النظرية السياسية الإسلامية إنما يستمد من قبوله الكامل الاحتكام إلى شرع الله من دون أدنى منازعة ولا رغبة في مشاركة" (4).

هنا الفيصل الفاصل بين إسلام الفطرة والذي لا يضع أيّ خط أحمر أمام العقل والمصلحة، وبين الإسلام الإيديولوجي الذي ينطلق من باراديغم أنّ لا اجتهاد مع وجود النص، حتى ولو أنّ هذا النص قد أنزل في الأصل على سبعة أحرف، وآياته حمالة أوجه.

والآن، في غياب أي إصلاح جدي للشأن الديني، من حيث تحديد وظيفة الخطاب القرآني، ونقد السنّة والمذاهب، وتقنين الفتوى، وضبط القياس، وتفعيل الاستحسان، وتطوير المصالح المرسلة- وهي المهام الاجتهادية التي انسحب منها الإسلام السياسي طلباً للسلطة- فإن الإسلام الإيديولوجي في تونس لا يجد ما يفعله لدرء فتن ما بعد ثورة الياسمين سوى إعادة إنتاج نفس الخطاب الديني المسؤول عن تأجيج الفتن.

ومثلا، أثناء محاولته احتواء المتطرفين الجهاديين وإقحامهم في النسق السياسي الرّسمي كان الشيخ راشد الغنوشي يردد في جولاته الشعبوية شعاره باللهجة التونسية: "تصلي بالصحة عليك، ما تصليش الله يهديك، تونس لي وليك"، أي: "إذا كنت تصلي فهنيئا لك، وإذا لم تكن تصلي فالله يهديك، وفي كل الأحوال تونس بلدي وبلدك".

منطوق القول يدعو إلى التعايش، لكن منطق المقال يرسخ ثقافة الفتنة ويختزل الإنسان في مجرّد أطر دينية (هذا يصلي، وهذا لا يصلي). فما أبعد هذا المنطق عن قيم دولة المواطنة!

المشكلة ليست في توزيع الأدوار بين فصائل الإسلام السياسي كما يود البعض ويخشى الكثيرون، وليست المشكلة في ترتيب الأولويات كما يأمل البعض ويتوجس آخرون، المشكلة أن الخطاب الإيديولوجي للشيخ راشد الغنوشي قد فشل فشلا ذريعاً في الخروج من حالة الفتنة الدينية التي أنهكت "دار الإسلام" منذ الأزل، بل ساهم في تأجيجها عبر خطاب ظاهره المرونة وباطنه الانغلاق والتعصب.

6