الغنوشي رائد في الفكاهة السياسية

السبت 2013/11/09

حسناً فعل سياسيو تونس، راشد الغنوشي ومعارضوه حين وقفوا مترددين وحائرين بين أحمد المستيري ومحمد الناصر لاستلام منصب زعامة الحكومة في المرحلة المقبلة. فالرجلان يمثلان خبرة سياسية لا يمكن الاستهانة أو التفريط بها.

وإذا ما كانت المعارضة تميل إلى أن يشغل مرشحها الناصر ذلك المنصب، كونه الأكثر شبابا (79 سنة)، فإن المستيري وهو مرشح الغنوشي والذي لا يكبر مرشح المعارضة إلا بتسع سنين (88 سنة) ظهر بكامل لياقته البدنية، وهو يرغب فعلا في المنصب من أجل إخراج بلده من المتاهة التي صار يمشي في دروبها أعمى، بعد أن سقطت جمهورية بورقيبة ونهضت على أطلالها جمهورية البوعزيزي.

كان الغنوشي قد مارس دهاءه، حين قدم رجلا طاعنا في السن، مرشحا مستقلا بديلا عن رئيس الوزراء النهضوي. سلوك الغنوشي إنطوى على رسالة عميقة المعاني. استلمتها المعارضة وصارت تمشي على هديها حين رشحت رجلا مسنّا، ليس بينه وبين حيوية الشباب إلا الذكريات.

لقد أراد الغنوشي أن يقول للتونسيين إن الربيع الذي هبت رياحه من بلادهم لتغزو بلدانا عربية قد انتهى في اللحظة التي سلموا فيها مصيرهم لحركة النهضة التي يتزعمها. وهو ما وافقت عليه المعارضة ضمنيا من خلال مرشحها.

لقد صار مفهوم الربيع العربي عبارة عن إسقاط طبقة سياسية لتحل محلها طبقة سياسية، كانت محرومة من الحكم ومن منافعه.

لم يطرأ أي تغيير على مفهوم الحكم.

هاهما بورقيبيان يتنافسان على منصب رئيس الحكومة. كل واحد منهما يستند إلى قوة تطمح من خلاله إلى الانفراد بالحكم والتمكن من إدارة مصالحها بالطريقة المثلى. لم تبتعد المعارضة كثيرا عن طريقة الغنوشي في النظر إلى تطلعات التونسيين وأحلامهم. سيعود الشعب إلى مكانه الأصلي، شاهدا متقطع الأنفاس، مخيّبا وتابعا لمن يحكم باسمه.

لقد عرف الغنوشي كيف يدير اللعبة ويوجهها لصالح مفاهيمه الأصولية.

فبالنسبة للغنوشي، كونه زعيما دينيا، لا وجود لسلطة اسمها سلطة الشعب. مفهوم الرعية هو ما يجب أن يسود. أما المواطنة، فهي اختراع غربي تتم المتاجرة به حين الانتخابات.

لا أحد يلوم الغنوشي في ما ذهب إليه. فتلك هي فكرته التي لم تكن غامضة يوما ما. ما فعلته حكومته يؤكد مسعى حركته إلى أن تنتقل تونس من إطار الدولة المدنية التي أسسها بورقيبة إلى المنحى الذي يسلمها إلى الإطار الديني.

اللوم كله يقع على المعارضة.

فالمعارضة لم تحسم خيارها جذريا في اتجاه الانحياز الكامل إلى التغيير الجذري. كانت صدمة رحيل بن علي وسقوط النظام القديم كما يبدو أكبر منها. لم تقو المعارضة على ارتجال حلولها المستقبلية، التي يتم من خلالها اقتراح شكل حديث لدولة مدنية، تكون المواطنة أساسا لبنيتها، لا يمكن التراجع عنه.

لقد لجأت المعارضة إلى حل شبيه بالحل الذي لجأ إليه الغنوشي ولسان حالها يقول «ما دمنا قد اختلفنا على مرشحينا لنعد سوية إلى حقبة بورقيبة».

وفي هذا يكمُن حنين طفولي إلى أن يحل الأب الغائب مشكلات الأولاد الذين ضيّعوا الطريق في ظل غياب الحكم الشمولي، الذي صارت كل المعطيات الواقعية تشير إلى أنه كان قدرا ضرورياً. وهو أمر مؤسف فعلا.

بين الناصر والمستيري مسافة لا تُرى. ولا يمكن قياسها بتلك السنوات التسع التي تفصل بينهما. كلاهما يمثلان عودة إلى الوراء. بل هي عودة مستحيلة بالنسبة لكل خيال سياسي، كان يراهن على تونس باعتبارها رائدة الربيع العربي.

سيكون علينا أن ننصت إلى ضحكات الغنوشي راشد باعتباره ملكاً لفكاهة سوداء، استطاعت أن تكشف بمكرها هزال المعارضات العربية.

سينظر التاريخ إلى الغنوشي باعتباره رائدا في الفكاهة السياسية


كاتب عراقي

9