الغنوشي في مواجهة عاصفة جديدة من المناهضين له داخل حركة النهضة

أثارت التعيينات الأخيرة التي أجراها يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية بشأن المحافظين موجة من الغضب لدى عدد من القادة النهضويين المناهضين لراشد الغنوشي الذي يتهمونه بتهميش الحركة التي ما عادت حاضرة في مواقع القرار فيما توقع مراقبون أن تتوسع دائرة الغضب على الشيخ لتشمل الكوادر والقواعد في ما يشبه العاصفة الكبرى إن لم يتم تطويقها.
الأربعاء 2016/09/21
التشاور يحضر حينا ويغيب أحيانا

تونس – يواجه رئيس حزب حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي منذ أكثر من عام موجة من الاحتقان داخل الحركة تقودها قيادات نافذة تنظيميا وسياسيا جاهرت بضرورة إزاحته من رئاسة الحركة، غير أن مباركته لتركيبة الحكومة التي لم تتحصل فيها النهضة سوى على مشاركة هزيلة، إضافة إلى ضعف حضورها على مستوى التعيينات التي أجريت في سلك المحافظين، فجرت من جديد غضبا عارما عليه.

وتلمح ضمنيا قيادات، وفي مقدمتها عبدالحميد الجلاصي وعبداللطيف المكي، إلى أن راشد الغنوشي هو المسؤول عما تصفه بـ”تهميش النهضة” وإقصائها “من مواقع القرار السياسي والإداري” وهي ترى أنه ما كان لنداء تونس أن يتغول على المشهد السياسي لولا استئثار الشيخ والمقربين منه بإدارة شؤون الحركة.

وكانت رئاسة الحكومة التونسية أعلنت الجمعة عن إجراء تحوير جزئي في سلك المحافظين شمل 12 محافظة غالبيتهم من كوادر نداء تونس ومن الكفاءات التكنوقراط الأمر الذي رأى فيه عدد من قيادات النهضة نوعا من سعي النداء للهيمنة على مؤسسات الدولة.

ويبدو الخيط المشترك للقيادات التي تتوجس مما تصفه بـ”تغول النداء” أنها تنتمي إلى الشق المناهض لرئاسة الغنوشي.

وفي اتصال هاتفي قال عبدالحميد الجلاصي الذي نافس الغنوشي في رئاسة النهضة في مؤتمرها العاشر لـ”العرب” “إنه ينطلق في قراءته للمشهد السياسي العام من قاعدة أساسية وهي أنه يؤيد حكومة الوحدة الوطنية باعتبارها فرصة أخيرة للطبقة السياسية كي تستجيب لمطالب التونسيين بالتنمية والتشغيل”.

غير أن الجلاصي شدد على أن الواقع الذي تشهده البلاد يحتمل قراءتين مختلفتين الأولى قراءة تفاؤلية في حال إدارة شؤون البلاد وفق رؤية وطنية، والقراءة الأخرى تؤشر على أن هناك توجها نحو ترحيل التناقضات والصراعات والخلافات السياسية من الفضاء المجتمعي إلى الفضاء الحكومي، محذرا من أن مخاطر “تحويل مقاصد حكومة الوحدة النبيلة إلى مقاصد حزبية مثل تسوية أزمة نداء تونس وترضيته بجعله حزب إدارة على حساب الدولة والنهضة”.

ولم يتردد الجلاصي في التعبير عن تخوفه من “استقواء نداء تونس بالدولة لا فقط لضمان التسويات والترضيات وإنما أيضا لتحجيم النهضة من خلال اللعب على التنوع والتعددية والخلافات العادية داخلها”.

عبدالحميد الجلاصي: جوهر الخلاف داخل الحركة يتعلق بإيجاد توازن بين النهضة والنداء

غير أن تصريحات الجلاصي تبدو بالنسبة للمحللين السياسيين محتشمة بالنظر إلى عمق الخلافات التي تجتاح النهضة خاصة بشأن طريقة إدارة الغنوشي لها.

فقد شدد خليل الرقيق المحلل السياسي على أن “هناك بوادر قوية لصراع حول الهوية السياسية للنهضة تبعا للتحولات المتسارعة بخصوص مواقفها من الشأن السياسي” مشددا على أن “هناك عددا من القادة مثل عبدالحميد الجلاصي وعبداللطيف المكي يرون أنه آن الأوان لتجديد التصور القيادي للنهضة، وقد عبروا عن ذلك من خلال اعتراضهم على تعيين المكتب السياسي وهو مؤشر على موجة الغضب تجاه الشيخ الذي اقتلع في النهاية تفويضا بتعيين المكتب”.

ورأى الرقيق في تصريح لـ”العرب” أنه بخروج المعركة إلى وسائل الإعلام والمشهد السياسي العام تبين أن هناك خطين داخل النهضة، خط الشيخ الذي تمثله ثلة من القيادات المقربة منه مثل زياد العذاري وصهره رفيق عبدالسلام، وخط مجموعة أخرى مصرة على فرض كلمة الحركة في الاستحقاقات الحكومية ومواقع صنع القرار، مشددا على أن ذلك “انعكس على موقف عبدالحميد الجلاصي بصفة خاصة من تعيين المحافظين حيث اعتبر أن الحركة لم تتحصل على ما تستحق وفق وزنها الانتخابي”.

ويحاول راشد الغنوشي انتهاج تكتيك سياسي لا يخلو من البراغماتية في مسعى إلى جر النهضة إلى نوع من التغيير الناعم على المدى المتوسط والبعيد من خلال اختراق مؤسسات المجتمع والدولة عبر عدة طرق منها الخطاب السياسي المدني ومنها كذلك وضع اليد على الأنشطة الاجتماعية التي تقوم بها الجمعيات الخيرية وأيضا استمالة عدد من الشخصيات المؤثرة.

وفي المقابل يبدو أن أغلب قادة النهضة وكوادرها الوسطى ينتهجون سياسات أكثر وضوحا ومخالفة تماما لرؤية الشيخ إذ يسعون إلى فرض تموقع الحركة في مؤسسات الدولة وفق وزنها الانتخابي ولا يرون في تكتيك الشيخ سوى مجازفة بمصير الحركة وإجهاض لجهودها وإضعاف لأدائها لفائدة الأحزاب السياسية الأخرى وفي مقدمتها نداء تونس. وأقر عبدالحميد الجلاصي لـ” العرب” بأن “هناك خلافا داخل الحركة بشأن إدارة الملف السياسي” في إشارة ضمنية إلى رئاسة الغنوشي، مشددا على أن جوهر الخلاف يتعلق بـ”إيجاد توازن بين النهضة والنداء” لافتا إلى أن الحركة “هي الآن في حالة مخاض بهدف تطوير إدارة الملف السياسي”. ورغم محاولة تخفيف الجلاصي من تداعيات تزايد حالة الاحتقان داخل التنظيم الكتوم فإن المحللين السياسيين يشددون على أن راشد الغنوشي بات يواجه ما يشبه الانتفاضة أو العاصفة القادمة.

وتوقع خليل الرقيق في تصريحه لـ”العرب” أن “يواجه الشيخ عاصفة كبرى من غضب الكوادر والقواعد تخرج إلى العلن وتخترق الحركة الكتومة”، غير أنه لفت إلى أن الغنوشي يبدو حاليا قادرا على استيعاب الخلافات والتناقضات منتهجا خطابا مراوغا للحكومة في مسعى إلى امتصاص غضب الغاضبين وإرسال رسالة إليهم مفادها أن الحركة قد تغير خط مسارها السياسي في أي لحظة.

4