الغنوشي.. لا يثبت على موقف ويسرع في تغيير آرائه

الأحد 2013/09/22
سياسي يقدم مصالح حزبه قبل كي شيء

نهاية السبعينات من القرن الماضي، كانت تونس تتخبّط في أزمة سياسيّة حادّة لم تعرف لها مثيلا منذ حصولها على الاستقلال عام 1956.

فقد أدّت المواجهة التي نشبت بين اتحاد النقابات، وبين حكومة الراحل الهادي نويرة يوم 28 يناير 1978 إلى سقوط مئات القتلى والجرحى في العاصمة وفي المدن الداخليّة، وإلى اعتقال الحبيب عاشور الأمين العام لاتحاد النقابات والعشرات من النقابييّن.

وقبل تلك المواجهة الدمويّة، عاشت تونس على مدى خمسة أعوام سلسلة من المحاكمات السيّاسيّة أعقبت الانفتاح المحدود الذي عرفته البلاد بين عامي 1970 و1971 إثر الإطاحة بأحمد بن صالح، وببرنامجه الاقتصادي القائم على ما سمّي آنذاك بـ "التعاضد".

اعتقالات بالجملة

في مطلع عام 1972، عقب الاضطرابات التي هزّت الجامعة التونسيّة في شهر فبراير من العام المذكور، قامت قوات الأمن باعتقال مئات من مناضلي منظّمة "العامل التونسي" الماركسيّة – اللّينينيّة.

وفي صيف عام 1974، أحيل عشرات من هؤلاء على محكمة أمن الدولة لتصدر في شأنهم أحكاما قاسية تراوحت بين عامين، وخمسة عشر عاما سجنا.

وفي صيف عام 1975، أصدرت المحكمة ذاتها أحكاما قاسية أخرى على من تبقّى من مناضلي المنظّمة المذكورة، والذين كانوا يعيشون في السرّية مثل حمّة الهمّامي، ومحمد الكيلاني.

وفي صيف عام 1977 جاء دور حركة "الوحدة الشعبيّة" التي أسّسها أحمد بن صالح بعد هروبه من السجن في شتاء عام 1973. ولم تكن الأحكام التي صدرت في حقّ هؤلاء أرحم من الأحكام التي أدينت بها جماعة "العامل التونسي".

وبنشوب المواجهة بين اتحاد النقابات، وبين النظام البورقيبي، اكتمل النّصاب، وباتت تونس على حافّة عواصف سياسيّة هوجاء مهدّدة لأمنها، واستقرارها.. كان بورقيبة آنذاك يقترب حثيثا من سنّ الثمانين ورغم المتاعب الصحيّة التي كانت تؤرّقه، فإنه ظلّ مستبدّا برأيه، متمسّكا بالسّلطة كما لو أنه غير واع بما فعله به الزمن والشيخوخة، رافضا لأيّ انفتاح أو تغيير حتى ولو كان طفيفا في سياسته ومنهاج حكمه.

ومن حوله كانت الصّراعات بين مختلف الأجنحة الطّامعة في خلافته قد تفاقمت إلى درجة أنها أصبحت حديث الناس الذين كانوا يتابعونها بفضول تماما مثلما يفعلون مع المسلسلات المثيرة.

ولكي تحظى برضاه وبمباركته، كانت تلك الأجنحة تتنافس، وتتصارع بضراوة، ساعية بكلّ ما أوتيت من جهد لكي تظهر له أنها الأكثر حزما وتصلّبا في تطبيق سياسته، والأشدّ صرامة في مواجهة أعدائه وخصومه.

وسط هذا الجوّ المشحون بالتّوتّر والترقّب والّصراعات بين الإخوة الأعداء الطّامعين في خلافة "المجاهد الأكبر"، راجت أخبار تقول إنّ جماعة من "الملتحين" يقومون بنشاطات دينيّة مكثّفة في مساجد العاصمة وضواحيها، وفي صفاقس (جنوب شرق)، داهموا بعض المقاهي لمعاقبة المفطرين في رمضان.

أمّا القوى اليساريّة التي كانت في السجون، أو خاضعة لمراقبة مشدّدة من قبل الأجهزة الأمنيّة فقد استقبلت الظّاهرة الجديدة – ظاهرة الملتحين- باللامبالاة معتبرة البلاد محصّنة ضدّ أيّ ظاهرة من ظواهر التّطرّف الديني، لذلك لم يكن الأمر بالنسبة إليها مجرّد بدعة من تلك البدع التي عادة ما تظهر في أوقات الأزمات الحادّة، ثمّ لا تلبث الأيّام أن تجرفها بسرعة.

وأمّا السّلطة المعزولة والمخنوقة سياسيّا فلم تتردّد في احتضان الظاهرة الجديدة ورعايتها ومدّ الجسور بينها وبين دعاتها. ولعلّ الدّافع لذلك هو البحث عن حليف جديد يساعدها على مواجهة خصومها السياسييّن من مختلف التيّارات.

وربمّا اعتقدت أنه سيسهل عليها استخدام الخطاب الديني الديماغوجي لحين من الزمن بهدف فكّ عزلتها، وبعدها لن يكون من العسير عليها التّخلّص منه لأنه لن ينجح في التغلغل في المجتمع بعد الإصلاحات التحديثيّة التي أقرّها بورقيبة حالما حصلت تونس على استقلالها، والتي بموجبها حارب "العروشيّة" والتزمّت الديني والعادات والتقاليد البالية.

لفظ عقد السبعينات أنفاسه بأحداث دمويّة تمثّلت في قيام مجموعة من القومييّن كانوا قد تلقّوا تدريبات عسكريّة في لبنان، وتمكّنوا من الدخول سرّا إلى البلاد عبر ليبيا والجزائر في محاولة لقلب النظام انطلاقا من مدينة قفصة. غير أن محاولتهم مُنيتْ بفشل ذريع. مع ذلك، لم يتمكّن الهادي نويرة، الوزير الأوّل في ذلك الوقت من تحمّل الصّدمة. فقد أصيب بجلطة دماغيّة أنهت مسيرته السياسيّة. وسعيا منه للتّخفيف من حدّة الأزمة الخانقة التي باتت تعيشها البلاد، اختار النظام أن يسلك سياسة أكثر اعتدالا مُطلقا سراح المجموعات اليساريّة والقيادات النقابيّة، وسامحا للبعض من أحزاب المعارضة بالمشاركة في الحياة السياسية لكن بشكل محدود وبكثير من القيود. وقد يكون محمد مزالي الذي أصبح وزيرا أول، والذي كان مهندس التعريب في برامج التعليم مطلع السبعينات من القرن الماضي، قد غضّ الطرف عن نشاطات "الملتحين" باعتبارهم حلفاء، ولو لفترة زمنيّة قصيرة، ضدّ التيّارات اليساريّة وضدّ الاتحاد العام التونسي للشغل. غير أن "الملتحين" وجدوا في سياسة الاعتدال التي بدأ النظام يسلكها بشيء من الترددّ والحذر ما شجّعهم على الانتشار بسرعة لينفذ خطابهم الطّهري إلى قلوب العاطلين، والمقصييّن اجتماعيّا في أحياء الطوب والقصدير.. بل إنه تمكّن من التسرّب إلى المعاهد الثانويّة وإلى الجامعة التي كانت حتى ذلك الحين معقل حصينا للتيّارات اليساريّة بمختلف أنواعها. وشيئا فشيئا لم يعد "الملتحون" يقتصرون في خطبهم ومواعظهم على الدعوة إلى الفضيلة والنهي عن المنكر، بل اتسع ليشمل القضايا الدنيويّة متضمّنا انتقادات حادة اللهجة لسياسة النظام في مختلف المجالات السياسيّة منها والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة وغيرها. بل وتجاسر "الملتحون" على النّيل من الإنجازات الإصلاحية في ما يتعلّق بحرية المرأة، والتي كان بورقيبة شديد الفخر والاعتزاز بها. وفي ظرف زمنيّ قصير تمكّن "الملتحون" من إحكام سيطرتهم على العديد من المساجد في العاصمة، وفي مدن أخرى، وشرعوا يتحركون كما لو أنهم حركة سياسية، وليس حركة دينيّة كما كان حالهم. ولم تكن الأوضاع الدّاخليّة هي وحدها الدّافعة إلى ذلك، فقد شجّعت الثورة الإيرانيّة التي صادرها رجال الدين بزعامة الخميني لصالحهم، "الملتحين" التونسييّن على أن يغزوا المشهد السياسي. وهكذا برز ما أصبح يسمّى بـ"الاتجاه الإسلامي" الذي سيصبح في ما بعد حركة النهضة.

بروز الاتجاه الإسلامي

كان راشد الغنوشي، واسمه الحقيقي، راشد الخريجي، المولود في بلدة الحامة عام 1941، واحدا من ثلاثة شكلوا النّواة الأولى لحركة الاتّجاه الإسلامي، والآخران هما الشيخ عبد الفتّاح مورو، وحسن الغضباني الذي اعتزل العمل السياسي منذ أواسط الثمانينات من القرن الماضي بعد احتدام الخلافات بينه وبين الغنوشي. لكن أيّة أسباب أتاحت لراشد الغنوشي أن يصبح زعيما سياسيّا يتكلّم من فوق المنابر، ويطمح لاستلام السّلطة اعتمادا على مشروعه الدينيّ الذي يهدف إلى تدمير المشروع الإصلاحي الحداثي الذي اختصّت به تونس منذ أواسط القرن التاسع عشر، والحال أنه لم يكن في حياة هذا الرجل ولا في مواقفه ولا في أفكاره ما يمكن أن يؤهّله إلى لعب دور حتى ولو كان بسيطا وثانويّا في الحياة السياسيّة في تونس؟ لقد حاول الغنوشي في أكثر من مناسبة أن يقدّم نفسه كزعيم يتجاوز تأثيره الفكري والعقائدي حدود تونس غير أن هذه الصّورة الورديّة سرعان ما تخبو، وتتهشم عندما تواجه بالوقائع الحقيقيّة.

قبل أن يقفز إلى الواجهة السياسيّة في تونس، كان راشد الغنوشي يعمل أستاذا للتفكير الإسلامي في المعاهد الثانويّة، ولم يكن في شخصيّته ولا في طريقة تدريسه ما يدلّ على أيّ نبوغ أو ذكاء. ثمّ إن ذلك المدرّس قصير القامة، دائم التجهّم والعبوس، كان يبدو لتلامذته، ولزملائه الأساتذة شخصا شديد الانغلاق رافضا لأيّ جدل يمكن أن يتعارض مع قناعاته الفكريّة والدينيّة.

العنصر الوحيد البارز فيها هو عداؤه المطلق للماركسيّة، وللفلاسفة الغربّيين العقلانييّن، والوضعيّين، والوجودييّن خصوصا نيتشه وماركس وديكارت، ولفلاسفة التنوير الفرنسييّن، فولتير وديدرو وروسو.

في جلّ الحوارات التي أجريت معه بعد أن أصبح زعيما لـ "الاتّجاه الإسلامي" ثمّ لحركة النهضة، حاول الغنوشي أن يوهم الناس بأن معارضته لبورقيبة ونظامه بدأت مبكّرا. غير أن واقع الحال يثبت أن هذا الأمر لا يعدو أن يكون مجرّد ادّعاء لا ينهض له أيّ سند. فقد بدأ الغنوشي حياته معلّما في المدارس الابتدائيّة في منطقة قفصة في الستينات من القرن الماضي. وقد شهدت تلك الفترة أحداثا سياسيّة خطيرة مثل محاولة الانقلاب العسكري ضدّ بورقيبة، واغتيال الزعيم صالح بن يوسف، وحرب الجلاء عن بنزرت وغيرها، غير أن التاريخ لم يحتفظ لنا بأيّ موقف للغنوشي تجاه تلك الأحداث.

قبل أن يقفز إلى الواجهة السياسية، لم يكن في شخصية الغنوشي ولا في طريقة تدريسه ما يدل على أي نبوغ أو ذكاء.. بل كان المدرس قصير القامة، دائم التجهم والعبوس.

بعدها سافر إلى دمشق لاستكمال تعليمه في الجامعة، وهذا دليل على أنه لم يكن على اللائحة السّوداء، وإلا ما كان نظام بورقيبة أن يسمح له بالخروج من البلاد تماما مثلما فعل مع أشخاص اعتبرهم "مشبوهين".. والذين عرفوه في تلك الفترة، يقولون إنّ الغنوشي في دمشق كان سريع التنقّل بين الأفكار والنظريّات الرائجة في ذلك الوقت مثل القومية والماركسية. ويروي صديق له لازمه أثناء سنوات الدراسة في دمشق، ومعه عمل في حقول العنب في فرنسا خلال العطل إنه -أي الغنوشي- ظلّ حتى عام 1968 غير محصّن ضد بعض الملذّات التي يحرّمها الشّرع الإسلامي.


العودة إلى تونس


عاد الغنوشي إلى تونس نهاية الستينات، كانت البلاد تعيش آنذاك أزمة سياسيّة واقتصاديّة خانقة بسبب البرنامج الاشتراكي التّعاضدي الذي انتهجه بن صالح منذ 1964. وكان عشرات من الطلبة والمثقّفين المنتمين بالخصوص إلى تنظيمات ماركسيّة وقوميّة يقبعون في السجون بعد سلسلة من المحاكمات شهدتها البلاد إثر المظاهرات الصّاخبة التي اندلعت في شهر يونيو 1967 احتجاجا على موقف النظام البورقيبي من حرب الأيّام الستّة.

في هذا المناخ السياسي الصّعب والمتأزّم، استلم الغنوشي عمله الجديد كمدرّس للتفكير الإسلامي في المدارس الثانويّة، وهذا ما يؤكّد لنا مرّة أخرى أن "معارضته المبكّرة" لنظام بورقيبة هي من اختلاقه، لا أكثر ولا أقلّ. ففي تلك الفترة كان النظام البورقيبي يبدي احترازا من كلّ الطلبة العائدين من جامعات القاهرة، ودمشق، وبيروت، وبغداد بسبب نفوره من القوميّة البعثيّة، والناصريّة، لذا كان يعتقل البعض منهم للتثبّت في أمرهم أو يتركهم عاطلين عن العمل إلى أن تأتي الأيّام بما يخالف تقاريره الأمنيّة أو يتوافق معها. وهذا ما لم يحدث مع الغنوشي.

وخلال المحاكمات التي طالت مختلف التيّارات السياسيّة على مدى عقد السبعينات، نحن لا نعثر على ما يدلّ على أن الغنوشي أظهر ما يمكن أن يشي بأنه كان معارضا لتلك المحاكمات، أو منتقدا لها ولو بتحفّظ. وحتى عندما حصلت المواجهة العنيفة بين النظام والاتحاد العام التونسي للشغل، لم يتحرك الغنوشي بل ظلّ صامتا.

لكن مع مطلع الثمانينات، ومع انتصار الثورة الإيرانيّة على نظام الشاه، ومجيء الخميني إلى الحكم، شعر الغنوشي الذي كان حتى ذلك الوقت مدرّسا مغمورا، أن آفاقا جديدة انفتحت أمامه وأمام أصحابه، لذلك سارع بعقد مؤتمر سريّ لحركة الاتجاه الإسلامي في سوسة ربيع عام 1981، أي في نفس الفترة التي عقد فيها الحزب الاشتراكي الدستوري مؤتمره الاستثنائي الذي أعلن فيه بورقيبة بأنه لا يرى مانعا في ظهور أحزاب جديدة.

بعدها تقدم الغنوشي بطلب للسلطات التونسيّة بغرض الحصول على تأشيرة، غير أن مطلبه قوبل بالتّجاهل. لذلك شرع يوجّه انتقادات لاذعة لنظام بورقيبة، مدافعا عمّن سمّاهم بـ"المستضعفين في الأرض". ومثلما كان الحال بالنسبة إلى الخميني، أخذ أنصاره يوزّعون خطبه، ومواعظه المسجلة على "كاسيت" في أحياء القصدير، وفي المدارس، والجامعات، والإدارات، وفي الأسواق العامّة. كما أنهم ارتكبوا العديد من أعمال العنف، وهذا ما حدث في شهر فبراير 1981 حيث قام طلبة موالون للاتجاه الإسلامي باحتجاز عميد كلية، وتهديده بالقتل لتنشب إثر ذلك اشتباكات بينهم وبين قوات الأمن.

وفي شهر رمضان من العام المذكور، هاجم أنصار الاتجاه الإسلامي بعض المقاهي والمطاعم، والفنادق السياحيّة لتأديب المفطرين، كما تمّ تخريب نواد للقمار.

وفي صيف العام المذكور، ظلّت الاضطرابات والمواجهات بين الإسلامييّن وقوات الأمن متواصلة على أشدّها. وعندما شعر النظام بالمخاطر الناجمة عن ذلك، أحيل الغنوشي والعديد من أنصاره على المحاكم لتُصدر في حقّهم أحكام قاسية، ولينال الغنوشي أقصاها (11عاما). وبسبب تلك المحاكمة، خبا إشعاع "ربيع الديمقراطيّة" الذي عرفته تونس بعد انقضاء عقد السبعينات الرّماديّ. ثمّ اندلعت "ثورة الخبز" في الثالث من يناير 1984 لتطفئ ما تبقى من نور الربيع المذكور.

ولمواجهة المظاهرات الصّاخبة التي اندلعت في جميع أنحاء البلاد بسبب الزيادة في أسعار الخبز، وبعض المواد الاستهلاكيّة، كان على النظام البورقيبي أن يستنجد بالجيش الذي كان يحرص دائما على إبقائه في الثّكنات، بعيدا عن المشاكل السيّاسيّة. وكانت الحصيلة ثقيلة للغاية، إذ سقط عشرات القتلى والجرحى في العاصمة، وفي العديد من المدن الداخليّة.

وقد منحت "ثورة الخبز" الفرصة للغنوشي لكي يناور من داخل السجن أملا في أن يستفيد، وتسفيد حركته من تأزم الأوضاع، فالنظام البورقيبي حمّل الاتحاد العام التونسي للشغل والتيّارات اليساريّة مسؤوليّة ما حدث، فوجّه الغنوشي رسالة إلى النظام بغية امتصاص خلافاته معه قائلا: "لا تتحقّق الديمقراطيّة والعدل والحريّة إلا على أساس الإسلام". وقد تعاملت السلطات مع تلك الرسالة بشكل إيجابيّ مطلقة سراح الغنوشي وأنصاره.

غير أنّ المصالحة لم تدمْ طويلا إذ سرعان ما أطلق الغنوشي أنصاره وقد ازدادوا تطرّفا وعنفا، وبتأثير من مواعظه التي تبدو في ظاهرها "دفاعا عن الأخلاق والدين، ومناهضة التفسّخ القيمي والخواء الرّوحي"، لكنها تدعو في حقيقة الحال إلى الإطاحة بالنظام" الموصوف بـ"الطاغوت"، وبـ"العميل للغرب"، ليشنّوا من جديد هجمات على مؤسسّات الدولة، ويقوموا بأعمال تخريبية ضدّ السياحة، ويبثّوا الفوضى في الجامعات، وفي المدارس، وفي الأحياء الشعبيّة الفقيرة، ويصدروا قوائم سوداء تحتوي على أسماء مثقفين وفنانين وشخصيّات قضائية وأمنيّة بهدف ترهيبهم.

وقد حمّل الغنوشي النظام البورقيبي والتيّارات اليساريّة المعادية لحركته مسؤوليّة تصاعد العنف في البلاد قائلا: "أبرز ما يَسمُ علاقة الدولة التّابعة بمجتمعها هو علاقة العنف. إنّ التّغريب في حدّ ذاته هو أبرز وأفدح ألوان العنف الذي تمارسه الدولة. إنّه عمليّة سلخ مجتمع عن أصوله، وضميره من أجل ما يسمّى بالحداثة. وهي في الحقيقة ديكتاتوريّة الغرب على شعوبنا من خلال وساطة جماعة التحديث والتّغريب على النّمط الغربيّ نقيضا كاملا للديمقراطيّة من كلّ وجه".

استاء بورقيبة من السياسة اللّينة والمتسامحة التي انتهجها محمد مزالي تجاه الاتجاه الإسلامي فأقاله من منصبه ليفرّ إلى فرنسا عبر الجزائر خشية عقاب يسلّطه عليه أسد قرطاج العجوز بتدبير من خصومه داخل النظام، والحزب الحاكم. وفي بداية عام 1987 اعتقلت السلطات الغنوشي وأنصاره ليمثلوا أمام المحاكم من جديد. وفي هذه المرّة حكم على الغنوشي بالأشغال الشاقّة المؤبدة.

في نفس تلك السّنة التي حوكم فيه الإسلاميّون، أي 1987، بلغت الأزمة السياسيّة في تونس ذروتها، وازدادت الصّراعات بين الأجنحة المتنافسة على خلافة "أسد قرطاج" العجوز احتداما وضراوة. وتحت تأثير نوبات غضبه المتصاعدة بشكل مثير للقلق، راح بورقيبة "يخبط خبط عشواء". وكانت زوجته وسيلة، وحبيبة قلبه في سنوات النضال المريرة من أبرز الضّحايا. فقط طلّقها لتصبح إبنة أخته سعيدة ساسي التي كان يكنّ لها محبّة خاصّة منذ سنوات نشأتها الأولى، مستشارته المقرّبة، فلا يردّ لها نصيحة ولا رأيا.

وبعد سلسلة من التعيينات المتسرّعة على رأس الحكومة، اختار بورقيبة زين العابدين بن علي ليكون سيّد قصر "القصبة" مع الاحتفاظ بحقيبة وزارة الداخليّة. وعندما راجت إشاعات تقول إنّه يعتزم الاستغناء عنه، وربّما محاكمته مثلما فعل مع محمد مزالي، سارع ابن علي إلى الإطاحة ببورقيبة فجر يوم السابع من تشرين الثاني 1987، فاتحا صفحة جديدة في التاريخ التونسي الحديث.

بداية المواجهة

كان الإسلاميّون أكبر المستفيدين من سياسة الانفراج التي عرفتها تونس خلال الفترة الأولى من حكم ابن علي. والغنوشي نفسه أقرّ بذلك مشيدا بـ"فضل الله، وبفضل الرئيس ابن علي" في النجاة من سنوات الأشغال الشاقّة المؤبّدة. وقد سمح ابن علي للإسلاميّين بالمشاركة في انتخابات عام 1989 لكن ضمن قوائم مستقلّة. والأكيد أن ابن علي الذي خبرهم منذ بداية ظهروهم في السبعينات من القرن الماضي، وتعرّف عليهم عن كثب وهم في أقبية وزارة لداخليّة، أو في السجون أدرك أنّ المواجهة مع الإسلامييّن لن تكون بعيدة. لذلك كان اطمئنانه لهم ظاهريّا فقط. أما في الواقع فقد كان يخشاهم، ويقرأ لهم ألف حساب، عالما بطبيعتهم الانقلابيّة التي تتحكّم في توجّهاتهم السياسيّة والعقائديّة.

وقد ازداد ابن علي حذرا منهم بعد أن اشتدت شوكة جبهة الإنقاذ بزعامة عبّاسي مدني وعلي بالحاج في الجزائر، وباتت تهدّد النظام القائم من خلال تظاهرات لاستعراض القّوة في شوارع العاصمة الجزائرية، وبأزياء عسكريّة! ومقتدين بهم، شرع رجال الغنوشي في السعي إلى زعزعة أركان نظام ابن علي الذي كان لا يزال طريّا. ومن جديد تعدّدت أعمال الشّغب والعنف، والتحريض على "الجهاد ضدّ الطّاغوت "، ونشر الفوضى في الجامعات، واستعمال البرامج المدرسيّة والجامعيّة لبثّ الأفكار والمواعظ التي تدعو إلى الفتنة داخل المجتمع. وقام البعض من أنصار حركة النهضة بحرق حرّاس مقرّ الحزب الحاكم في حيّ "باب سويقة" بالعاصمة. ولم تعترف النهضة بتلك الجريمة إلا بعد سقوط نظام ابن علي بأشهر قليلة ملقية المسؤوليّة على شبان من أنصارها "أفقدتهم صوابهم سياسة ابن علي الغاشمة". وقد أحدثت تلك الحادثة الفظيعة والأليمة قطيعة بين نظام ابن علي وحركة النهضة فسيق العشرات من قادة الحركة إلى السجون، والكثير منهم فرّ إلى المنافي وكان الغنوشي واحدا منهم.

وفي البداية لجأ إلى الجزائر ليكون ضيفا على جبهة الإنقاذ التي كانت تتمتّع بشعبيّة كبيرة. ولعلّ الغنوشي اعتقد أن انتصار جبهة الإنقاذ، والذي كان يبدو مؤكّدا سوف يسمح له بالعودة إلى تونس منتصرا على نظام ابن علي. غير أن جنرالات الجزائر سارعوا إلى قطع الطريق على جبهة الإنقاذ لتغرق البلاد في الدم والجريمة على مدى 12 عاما. وهكذا وجد الغنوشي نفسه مجبرا على ترْك بلد المليون شهيد ليتوجّه إلى السودان ضيفا على صديقه حسن الترابي. وفي ذلك الوقت كانت العاصمة السودانيّة تعجّ بقادة الحركات الإسلاميّة وأنصارها القادمين من مصر والجزائر والسّعوديّة واليمن والكويت والأردن وفلسطين المحتلّة..

ومن المؤكّد أن الضّربة القاسية التي تلقّتها جبهة الإنقاذ في الجزائر هي التي كانت السّبب الأساسي الذي جعل الغنوشي يتخلّى عن بعض مواقفه المعتدلة ظاهريّا، والتي كان يلجأ إليها في أوقات المناورة، كاشفا عن نزعته الحقيقيّة. وهذا ما تكشفه التّصريحات التي أدلى بها إلى صحيفة "الإنقاذ الوطني" السودانيّة حيث قال: "والجهاد ضدّ أنظمة الكفر والاستبداد والعشائريّة والولاء للأجنبيّ – وتكاد أنظمة العالم الإسلاميّ لا تخرج من هذه الأوصاف- فإنّ للأمّة الإسلاميّة أن تنهض بمهامّ الصراع الحضاري والشهادة للمشروع وتوهينها وإرضاخها لسلطة الشعب والإطاحة بها".

ماذا فعلت بالغنوشي السنوات العشرون التي أمضاها لاجئا في بريطانيا؟

في العديد من التّصريحات التي أدلى بها أوائل عام 2011، أي بعد سقوط نظام ابن علي، سعى الغنوشي أن يوهم خصومه السياسيّين أن سنوات المنفى الطويلة غيّرته إيجابيّا، وجعلته يتخلّى عن توجّهاته، وعن أفكاره المتشدّدة التي تميّز بها في الثمانينات والتّسعينات من القرن الماضي. كما حاول أن يوهم الغرب أن حركة النهضة التي يتزعّمها سوف تكون بعد "ثورات الربيع العربي" شبيهة بالأحزاب المسيحيّة الديمقراطيّة، أي أنها تقبل باللعبة الديمقراطيّة، وبالتداول على السلطة، وتلتزم بعدم النّيل من المكتسبات التي تحقّقت للمجتمع التونسي بعد الاستقلال خصوصا ما يتعلّق بحقوق المرأة وبدورها في المجتمع. غير أن واقع الحال سرعان ما يأتي لنا بما يلغي هذه الصّورة الورديّة له ولحركته.

شخصية منغلقة


وطوال العقدين اللذين أمضاهما في لندن لم يقم بأي شيء يدلّ على أنه كان يرغب في الاطلاع على تاريخ بريطانيا، ولا على الاستفادة من دساتيرها ومن مفكّريها وفلاسفتها ومثقّفيها.. كما أنه لم يبذل أيّ جهد ليتعلّم لغة شكسبير. لذلك يمكن القول إنه عاش على هامش الحياة البريطانيّة، محشورا في "غيتو " لجوئه السياسي فلا يستهويه الحديث والعيش إلا مع الذين يشبهونه دينيّا وفكريّا الفارين مثله من أحكام قضائيّة ثقيلة صادرة في حقّهم.

والصّور التي أخذت له في شوارع لندن تظهره مرتديا ثيابا قاتمة اللون تزيده تجهّما وعبوسا وانغلاقا على نفسه. ومثلما أشرنا سابقا، كان الغنوشي قد دأب قبل فراره إلى المنفى البريطاني على التهجّم على الغرب وحضارته وعلى أنظمته الفكرية والفلسفيّة والسياسيّة معتبرا أنّه -أي الغرب- "واحد أوحد".

لكن في حواره مع قصي صالح درويش (انظر كتاب: حوارات قصي صالح درويش مع الغنوشي- لندن 1992) يتملّص من مواقفه العدائيّة تجاه الغرب مشيرا إلى أنّ الغرب ليس فقط غازيا ومحتلا، أو مبشّرا، أو مؤسسّة إعلاميّة مُتحاملة أو مؤسسّات اقتصاديّة تقوم على استغلال ثروات الشعوب الأخرى، وإنّما هو "فكر تحرّري وتجربة ثوريّة تحرّريّة وتقدّم علميّ وتطوير للصحّة، ولمعلومات الإنسان عن الكون وعن الأنفس".

ولم يكتف الغنوشي بهذا المديح، وهذا الإطراء لغرب كان يعتبره "شيطانا رجيما"، بل زاد فقال مُنْقلبا على أفكاره السّابقة من دون أن يرفّ له جفن: "لم يصدر عنّي موقف لا مكتوب، ولا منطوق فيه حرب وتشنيع على الفلسفة الغربيّة".

وفي نفس الحوار مع قصي صالح درويش يواصل الغنوشي اللّعب على الحبال، وتغيير الأقنعة والتقلّب في المواقف ليدافع عن التعدديّة الفكريّة بمنطق فولتير! إلا أنه لا يلبث أن يتخلّى عن موقفه المتفتّح هذا ليعلن من دون تردّد أو مواربة، وناطقا بما يحاول إخفاءه خلف الأقنعة التي يتقن استعمالها بحسب الظروف، والمصالح: "يمكننا أن نُخرج من الأدب الإسلامي كثيرا ممّا أنتجه مسلمون، فمعظم ما أنتجه الشعراء العرب في العصر الأموي، الفرزدق وجرير، لا يندرج ضمن الأدب الإسلامي لما فيه من تملّق وتهييج للغرائز البدائيّة ونفاق وتفاخر بالقبائل".

إنّ المتتبّع لمسيرة راشد الخريجي، شهر الغنوشي، منذ ظهوره مطلع الثّمانينات من القرن الماضي، وحتى هذه السّاعة التي أصبح يتمتّع فيها بنفوذ واسع في تسيير شؤون الدولة التونسيّة، سرعان ما يتبيّن أنّ هذا الرجل لا يثبت على موقف، وأنّه يسرع في تغيير آرائه بحسب ما تقتضيه الظّروف والمناسبات والمصالح.

فعند عودته من المنفى بعد سقوط نظام ابن علي، زعم وهو محمول على أكتاف أنصاره الملتحين أنه سينْذر ما تبقّى من حياته للتعبّد في جامع الزيتزنة. لكن حالما تبيّن أن أجهزة الدولة التونسيّة اعتراها الضّعف ودبّت "الفوضى الخلاقة" في مؤسسّاتها وفي دواليبها حتّى صادر الانتفاضة الشعبيّة لصالحه ولصالح حركته. ولو نحن دقّقنا النظر في مختلف المواقف التي اتخذها على مدى العامين الماضيين لتبيّن لنا أن الغنوشي لم يتغيّر، بل ظلّ دائما الفقيه الذي يحبّ اللعب على الحبال، وتغيير الأقنعة والقفز على الواقع عندما تقتضي الضّرورة ذلك.

والفيديو المسرّب مطلع عام 2013، والذي حرّض فيه أنصاره على ضرورة "التمكّن من الاستيلاء على أجهزة الدولة الحسّاسة " يكشف عن مخططه الحقيقي الذي لم يتخلّ عنه أبدا، ألا وهو تدمير المشروع الإصلاحي الحداثي الذي تميّزت به تونس منذ منتصف القرن التاسع عشر بهدف إقامة نظام دينيّ يتماشى مع أهوائه وأفكاره وأطروحاته الأصوليّة. من هنا ندرك سبب حقده على بورقيبة وعلى النخبة التونسيّة المستنيرة. كما ندرك أيضا حرصه على تجنّب الاستناد في مراجعه إلى التاريخ التونسي القديم أو الحديث، وكأن تونس لم تكن شيئا يذكر قبل أن تصعد حركته إلى سدّة الحكم بعد سقوط نظام ابن علي.

لذلك ظلّ طوال مسيرته يتحاشى الإشارة إلى أيّة شخصّية تونسيّة كبيرة في أيّ مجال من المجالات.

6