الغنوشي.. متى تنتهي فزاعة بن علي؟

الشباب الذين تظاهروا بالليل والنهار ورفعوا شعارات إسقاط النظام، هم شباب فتحوا أعينهم على الثورة وصراعاتها وواقعون تحت تأثير حالة اليأس التي أنتجتها سياسات النهضة كحزب حاكم خلال عشر سنوات.
الخميس 2021/01/28
محاولة التملص من المسؤولية وتعليقها على الماضي

نجح تكتيك راشد الغنوشي ككل مرة في تمرير الحكومات وبقاء النهضة في قلب السلطة. سيبقى هذا نصرا ثانويا وهامشيا يمكن أن يُسكت به غضب معارضيه في حركة النهضة، لكنه لا يقدر أن يغطي به حقيقة أن حكومات الثورة التي حكمتها النهضة، سرّا وعلنا، قد فشلت في تحقيق شعارات الثورة، وما أكثرها وأعمقها.

إلى الآن، وككل مرة، يلجأ الغنوشي إلى اتهام النظام السابق بتحمّل مسؤولية هذا الفشل، وآخرها اتهام المنظومة التعليمية والاجتماعية بأنها وراء الأزمة التي تعيشها البلاد.

وقال الغنوشي في كلمة بالبرلمان إن “هذه الأوضاع دفعت العديد من الفئات وداخل أغلب الجهات إلى التعبير عن هذه الآلام والأوجاع وكان الشباب، ومنهم صغار السنّ، في مقدّمة هذه الاحتجاجات”، مشددا على ضرورة “الوقوف إلى جانب هؤلاء الأطفال والشباب الذين هم ضحايا فشل المنظومة التعليمية والاجتماعية”.

السؤال هنا أي منظومة؟

الثورة مرّت عليه الآن عشر سنوات، والشباب الذي يتظاهر الآن أغلبه تحت العشرين سنة، وهم نتاج مباشر لمنظومة التعليم التي أدارتها الثورة. وهذا يعني أن هناك افتراضين في كلام الغنوشي. الأول أن الرجل لا يزال يعتبر نفسه في المعارضة مع أنه رئيس البرلمان وزعيم الحزب ذو الأكثرية البرلمانية، والذي فوّضه الشعب منذ 2011 ليحكم، لكنه يرفض أن يحكم ويتحمل مسؤوليته في إدارة الدولة، ويفضل أن يحكم من وراء ستار حتى يحسب فشله على غياب الاستقرار.

أما الثاني، فهو الاعتراف بأن النهضة لم تسع إلى تغيير منظومة التعليم وتركتها للفوضى، لأنها لا تمتلك بدائل ولا أفكرا ولا برامج، وأن ما يهمّها فقط هو السيطرة السياسية على الدولة والإمساك بالمواقع الحساسة.

وهذه هي الحقيقة. النهضة لم تقدّم أي مبادرة لإصلاح التعليم، ولا لإصلاح الوضع الاجتماعي أو الاقتصادي. كل ما كانت تفعله خلال عشر سنوات هو بناء تحالفات الحكم مع الكتل الضعيفة، والمجموعات التي ترشحت لاعتبارات مصلحية أو عشائرية أو مناطقية.

والنتيجة أن الثورة تحولت إلى لعبة سياسية شبيهة بالعملية السياسية التي يعيشها العراق منذ 2003.. صراع سياسي يغطي على فساد واسع وعلى ارتهان الدولة للطائفية وأجندات الخارج.

وما يثير الاستغراب أن النهضة، وأساسا الغنوشي لا يزال يلجأ إلى فزاعة بن علي لتبرئة نفسه وتبرير سياسة الهروب إلى الأمام في التعامل مع القضايا الاجتماعية. فالشباب الذي تظاهر بالليل والنهار وبعضه رفع شعارات إسقاط النظام، والبعض الآخر كان يطالب فقط بالخبز ويصرخ بأنه مهدد بالجوع هو شباب فتح عينيه على الثورة وصراعاتها، وواقع تحت تأثير حالة اليأس التي أنتجتها سياسات النهضة كحزب حاكم.

اتهام الشباب بالتخريب وإحداث الفوضى لن يبرّئ ساحة الطبقة السياسية الحاكمة، لأن ما يجري هو نتيجة طبيعية للفشل في بناء منظومة تعليمية وتربوية جديدة وتركها للمجهول، فما الذي يمكن أن يفعله شاب تربى وهو طفل صغير على صراع الديكة اليومي في البرلمان وعلى الفضائيات، وظل يسمع خطابا يقوم على الكراهية واحتقار الآخر.

إن مظاهر التخريب والعنف والسطو التي طالت ممتلكات عامة وخاصة من شباب أغلبه تحت سن العشرين هي إدانة للثورة وثقافتها وتعليمها، وهو التعليم الذي دفع بأكثر من مليون تلميذ إلى الخروج من التعليم دون شهادات علمية ولا دبلومات صنائع، وإدانة لفشلها وعجزها عن توفير مواطن العمل.

ما عاد للغنوشي أو غيره من الطبقة السياسية التملص من المسؤولية وتعليقها على الماضي أو على المجهول. عليهم جميعا أن يغادروا مربع المعارضة الذي استمرؤوه لعقود، وكان دورهم فيه سهلا ومريحا، إذ يكتفون بمجرد إصدار بيانات الإدانة التي تحمّل النظام السابق مسؤولية الفشل.

وإذا كانت النهضة قد استمرأت هذا الدور، وكانت تتلقّط أخبار الاحتجاجات لتقول للناس إن النظام عاجز عن حل مشاكلهم، فلماذا تمنع عن المعارضة الحالية لعب نفس الدور، أي إصدار بيانات الإدانة والإشارة إلى عجز السلطة، التي هي في قلبها، عن خدمة الناس؟ أم أنها تريد أن تلعب في نفس الوقت دور النظام الحاكم ودور المعارضة الغاضبة التي تصدر بيانات تحمّل المسؤولية للمجهول.

وأيا كانت مبررات تبرئة النفس، فإن احتجاجات الأيام الأخيرة ورسائل العنف التي حملتها في بعض مراحلها، هي إشارة قوية إلى أن خطاب الثورة المليء بالغرور والتعالي والأحقية بامتلاك السلطة، والذي يفسر العجز دائما بنظرية المؤامرة، واتهام “أطراف خفية” لم يعد ينطلي على الشباب  ولا يقنعه بالصمت، ولا يعنيه أصلا.

الشباب الذي تظاهر بالمئات في مناطق مختلفة ورفع شعارات ذات عمق اجتماعي ليس هو الشباب الذي كانت المعارضة تغويه براديكاليتها وتسريباتها حول السلطة وأخبارها السرية وفساد العائلات الحاكمة.. أو تستقطبه الحركة الإسلامية من خلال حملات التخويف من استهداف الدين والتضييق على الصلاة والحجاب.

هو شباب من جيل مغاير مكنته الثورة الإعلامية والاتصالية من معرفة كل شيء، وهو لا يحتاج إلى شحن طبقي ولا عقائدي ولا قومي ليفتح العيون على الحقيقة، ولا إلى البيانات السرية كي يغضب من منظومة الحكم. كل شيء واضح لديه، وبالتالي فلا داعي من الغنوشي للمناورة والعودة إلى الماضي لتبرئة النفس.

ومن الخطأ الإصرار على اعتبار هذه المظاهرات مجرد قوس عابر مرتبط بالصراع بين السياسيين وفق نظرية المؤامرة، لأن الأمر أعمق وهو مؤشر واضح على فشل منظومة الحكم الحالية في تقديم بدائل تتماشى مع حجم التفاؤل الذي حملته الثورة في بدايتها ببناء تجربة حكم تقوم على الديمقراطية ومكافحة الفساد وتكافؤ الفرص.

ما أشبه اليوم بالبارحة.

لقد لعبت حركة النهضة، كحزب حاكم، نفس الدور الذي لعبه التجمع الدستوري الحاكم في عهد بن علي، حين اعتبرت أن الاحتجاجات الشعبية مؤامرة ووصفت الشباب الغاضب بالمخرّبين وقطاع الطرق. وإذا استمر هذا الوعي القاصر، فإن ثورة جديدة في الأفق ستكون أعنف وأكثر راديكالية في مواجهة هذه الطبقة السياسية العاجزة.

ومن المهم الإشارة إلى أن محاولة توظيف الاحتجاجات من بعض مجموعات المعارضة لا يغير في الأمر شيئا، فالنهضة نفسها كانت تستفيد من الغضب الشعبي لاكتساب “شرعية” الحزب المعارض، وبالتالي فإن التعاطي مع الاحتجاجات على أنها رسالة سياسية من اليسار أو من تنسيقيات الرئيس قيس سعيد سيزيد من عمق الأزمة ويوسعها بدل البحث عن أرضية واسعة للحوار من أجل تطويق الأزمة، وليس أفضل من مبادرة اتحاد الشغل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه شريطة ألا يكون اللجوء إليها محاولة لربح الوقت.

9