الغنوشي "مجاهد" من أجل الغنيمة

زعيم حركة النهضة ربح الاقتراب من الغرب أكثر مما ربحه التونسيون، حيث مكّنته تجربته في بريطانيا من هندسة قاعدة بيانات وعلاقات وطيدة مع بقية الطيف الإسلامي المتناثر في أوروبا.
الجمعة 2020/05/08
أسلمة المجتمع والدعوة للنفير تحت شعار "الجهاد"

في اللحظة التي أخذ فيها التونسيون يناقشون، كما في كل ليلة من رمضان، ما سوّقته الأعمال الدرامية المحلية بشأن مفاهيم تاريخية بقيت غامضة يتمحور جلها حول من هو المقاوم ومن هو المجاهد الذي حرّر الوطن من الاستعمار الفرنسي، قفز الإسلاميون مجدّدا ليستحوذوا على انتصارات ليست من نصيبهم بربط كلمة “المجاهد” برئيس حركة النهضة راشد الغنوشي.

خرج العضد الأيمن لراشد الغنوشي نورالدين البحيري ليقول للتونسيين إن “الغنوشي مجاهد” وبل تساءل أيضا “إن لم يكن الغنوشي مجاهدا فمن هو المجاهد؟”.

تصريح يبدو للبعض أنه مجرّد ردة فعل ضد القوى السياسية المدنية التي تنتقد بشدة دور الغنّوشي ليس بصفته فقط رئيسا للحزب الإسلامي بل لكونه رئيسا لبرلمان التونسيين، فيما بدا للبعض الآخر بمثابة تهيؤ لفترة عصيبة ستمليها مطالبات طيف سياسي واسع بالتحرك ضدّ سطوة الغنوشي على السلطات في تونس منذ ثورة يناير 2011، خاصة مع وجود بوادر لتكرار اعتصام الرحيل في 2013 الذي أطاح بحكومة الترويكا.

ورغم أنه لا يمكن دحض كل هذه الفرضيات السابقة، فإن خطوة البحيري تؤكّد في المقابل ضراوة المعركة أولا داخل حركة النهضة نفسها في ظل وجود رفض واسع من قبل قيادات تاريخية لمواصلة الغنوشي على رأس الحركة وكذلك احتدام الحرب في المشهد السياسي بما يفيد أن الإسلاميين في تونس باتوا يعرفون أنهم إن خسروا الغنوشي، فإنهم لن يخسروا فقط زعيما قادهم فكريا وأيديولوجيا لأكثر من عقد، بل إنهم سيخسرون كل أنواع دعم الحلفاء خاصة من تركيا وقطر.

منذ سبعة عقود تقريبا، لا يعرف التونسيون عن كلمة مجاهد سوى ربطها بالزعيم الحبيب بورقيبة الذي يلقّب بـ”المجاهد الأكبر” لأداوره الكبرى والتاريخية في إخراج المستعمر الفرنسي من تونس عام 1956، كما أنهم لا يعترفون بأن تلصق صفة مقاوم إلا بمن دافع عن البلد أو استشهد من أجلها في المعارك مع المستعمر وعلى رأس هؤلاء ما يسمى بـ”الفلاقة” وهم الذين اختاروا الجبال لمحاربة الجيش الفرنسي في أواخر أربعينات وبداية خمسينات القرن الماضي بدل رغد العيش مثلما اختار ذلك الغنوشي بهجرته إلى لندن.

بالنظر إلى كل هذا الارتباط العاطفي الذي لدى التونسيين بصفة “مجاهد” ثارت الأقلام وارتفعت كل الأصوات المناهضة لإطلالة البحيري الذي لم يكتف بوصف الغنوشي بالمجاهد بل شدّد أيضا على أنه قاوم محاولات التغريب طيلة عقود.

هل قرب الوقت للتحرك ضدّ سطوة الغنوشي
هل قرب الوقت للتحرك ضدّ سطوة الغنوشي

قفزة جديدة، لم ينتج عنها في تونس سوى طرح السؤال التالي: ماذا قدّم الغنوشي للبلاد كي ينال شرف المجاهد؟ وكيف قاوم رئيس حركة النهضة محاولات تغريب المجتمع التونسي وإبعاده عن حضارته الإسلامية وهو الذي قضى قرابة عقدين في بريطانيا؟

في إجابة على السؤال الأول لا يذكر التاريخ للغنوشي في معارضته للزعيم بورقيبة أو حتى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي أي مواقف تذكر مصطفة لهموم الشعب التونسي. لقد كان هاجسه الأول أسلمة المجتمع والدعوة للنفير تحت شعار “الجهاد” بمعناه الديني الصرف لا بمعنى الجهاد من أجل الحياة وازدهار البلاد ثقافيا واقتصاديا واجتماعيا.

أما عن بطولات الغنوشي التي تحدّث عنها البحيري، بأنه كان أشبه بصمام أمان ضد محاولات الغرب للسطو على ثقافة المسلمين في تونس وتحويل وجهتها إلى منعرج خطير، فإنه لم يُسمع للغنوشي ولم يقرأ عنه طيلة عقدين من الزمن في بريطانيا سوى محاولات فكرية إسلامية لخصت تقريبا كل عصارة فكره في معاداته لقيم الحداثة والمساواة بين الرجل والمرأة.

وعلى العكس تماما مما قاله البحيري، فإن زعيم حركة النهضة ربح الاقتراب من الغرب أكثر مما ربحه التونسيون، حيث مكّنته تجربته في بريطانيا من هندسة قاعدة بيانات وعلاقات وطيدة مع بقية الطيف الإسلامي المتناثر في أوروبا ما جعله يعود إلى تونس بعد ثورة 2011 أكثر ثراء وأكثر قوة.

إنّ جرد مسار العمل السياسي لراشد الغنوشي منذ سبعينات القرن الماضي، لا يؤشّر أيضا إلا لكونه كان لا يتعامل مع مصطلح المجاهد إلاّ بمفهومه الديني والإسلاموي البحت الذي يحصر الجهاد في سبيل الله والقتال من أجل الغنيمة.

وإن كان البحيري يقصد أن مجاهدة الغنوشي هي من أجل الغنيمة، فهذا الشيء ليس جديدا حيث كابد الرجل طيلة عشر سنوات قضاها كحاكم فعلي في تونس ودخل في حروب حتى مع إخوانه من الحركة لا لشيء وإنما من أجل حفظ بقائه على عرش الحكم كلف ذلك ما كلف التونسيين.. شذرات جهاد لخّصها الغنوشي مؤخرا باختلاق صراعات مع الرئيس قيس سعيّد ومع رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ ومع المعارضة، كما ترجمها أيضا بضرب كل من يعارضه داخل النهضة لدفعه إلى الاستقالة على غرار عبدالحميد الجلاصي الذي سئم الرحلة الطويلة التي خاضها به الغنوشي طيلة أربعة عقود.

8