الغنوشي وخطاب التضليل

الخميس 2013/08/29

طلع الغنوشي على التونسيين من خلال قناة «نسمة' بخطاب أراده أن يكون مختلفا عن خطبه السابقة التي تميزت بالتصلب والحدة وبالتّهديد والوعيد لكل الأطراف المتنافسة سياسيا وفكريا معه ومع حركته.

والشيخ الذي تعودناه عبوسا منقبض الملامح، بدا باسما واثقا من نفسه، ومرتاحا لكل ما يطلق من أفكار وآراء، وساعيا بكل ما أوتي من جهد لإقناع من يسمونه بـ»الشيطان» بأنه في الحقيقة «ملاك» رحيم القلب طاهر النفس، ولا هدف له غير الدعوة للوفاق والتّسامح بين كلّ التونسيين، بقطع النظر عن اختلافاتهم السياسية والإيديولوجية.

وفي هذه المرة لم يتحدث بنخوة العائد إلى مكة بعد الفتح، ولا بصلابة المجاهد الذي نذر حياته لـ»لنصرة الإسلام والمسلمين»، بل تنصل من مرجعياته الدينية التي تعود اللجوء إليها، مبيحا لنفسه الإشارة إلى «دستور قرطاج» وإلى «عهد الأمان» الذي أنجزه الجيل الأول من المصلحين التونسيين برعاية المصلح الكبير خير الدين باشا الذي لم يسبق أن كلف نفسه مجرد التلميح له سابقا في كل ما كتب ونطق من أقوال وخطب. وربما توهم البعض من الذين استمعوا له، بأن الغنوشي بات من أنصار بورقيبة الذي دأب منذ ظهوره على المسرح السياسي على تكفيره والدعوة إلى تخريب مشروعه الإصلاحي باعتباره معاديا للإسلام.

كان الهدف الأساسي للشيخ من كل هذا هو تلميع صورته التي تشوهت على مدى السنتين الماضيتين حتى أن عددا وفيرا من التونسيين أصبحوا يرفعون أصواتهم في الليل كما في النهار، وفي الصلوات كما في الشوارع ليدعوا عليه بالشر محملين إياه مسؤولية تردي الأوضاع الأمنية واستفحال الإرهاب والعنف والغلاء وتفشي الفتن.

والحقيقة أن خطاب الغنوشي ينطبق عليه المثل التونسي الذي يقول «حل الصرة تلقى خيط»، أي أنه لم يكن غير ركام من الكلام المعسول الذي لا هدف منه غير المزيد من التضليل والخداع والمراوغة لربح الوقت وإرباك الخصوم السياسيين.

والأدلة على ما أقول كثيرة، فلم يعترف الشيخ مثلا بأي خطأ من الأخطاء التي ارتكبتها حركة النهضة على جميع المستويات خلال السنتين الماضيتين. والخطأ الوحيد الذي أقر به هو تجاوز السنة في صياغة الدستور، غير أنه سارع بتبرير هذا الخطأ مستندا الى أن الدستور الذي صدر عام 1959 تطلب ثلاث سنوات من العمل الدؤوب.

أما بخصوص أداء الحكومة فقد غض الشيخ الطرف عن الكوارث الجسيمة التي نتجت عنه على جميع المستويات السياسيّة والاجتماعية والاقتصادية، حتى أن البلاد أصبحت بشهادة المختصين على حافة الهاوية. ولم يشر الشيخ التي التعيينات التي شملت المؤّسسات والإدارات، والتي كانت من نصيب أنصار حركة النهضة على حساب بقية الأحزاب. وتجنب الحديث عن سياسة تونس الخارجية التي تعاني من انتكاسات لم يسبق لها مثيل، والتي كان الضالعون فيها من المقربين «ألأولى بالمعروف».

ونعلم أن الشيخ لم يتردد يوما في التعبير عن تعاطفه مع المتشددين دينيا والتكفيريين الذين احتلوا المساجد واحترفوا الإرهاب، وهددوا ألأمن العام، ناعتا إياهم بـ»أبنائه الذين يذكّرونه بشبابه». لكن في حديثه نفض يديه من مسؤوليته، ومن مسؤولية حركته والحكومة التي يسيرها أنصاره من أحداث العنف ومن العمليات الإرهابية التي شهدتها تونس خلال السنتين الماضيتين، ومن الجرائم التي ذهب ضحيتها مناضلون من أمثال لطفي نقض وشكري بلعيد ومحمد البراهمي وعشرات الجنود والضباط ورجال الأمن.

كان خطاب الشيخ الغنوشي شبيه بخطاب من يريد أن يوهمنا بأن قطيع الخرفان يمكن أن يرعى آمنا في الحقل دون أن يخشى الذئاب التي تحاصره من كلّ الجوانب.

9