الغنوشي يحاول استرضاء الغاضبين بعفو عام داخلي

يواجه راشد الغنوشي منذ مؤتمر حركة النهضة الماضي “انتفاضة حقيقية” ضد طريقة قيادته التي لا تخلو من التفرد بالقرارات وفرضها دون الرجوع إلى مؤسسات الحركة، الأمر الذي قاد إلى اهتزاز صورته واهتراء “الهالة الروحية” التي ساعدته على بسط نفوذه على التنظيم مند تأسيسه في بداية الثمانينات من القرن العشرين كجزء من تنظيم الإخوان.
الثلاثاء 2016/11/15
يتطلع إلى مصالحة داخلية

تونس - قالت دوائر مقربة من راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية إنه يتخوف من أن تتسع دائرة الغاضبين على سياسته لتشمل قيادات مهمة قادرة على تجميع الأنصار حولها إذا قررت الانشقاق وتكوين تنظيم بديل، ولهذا بادر إلى إعلان عفو عام عن الذين تمردوا على سياساته منذ مؤتمر 2012.

يأتي هذا فيما بدا التمرد ضد الغنوشي أكثر وضوحا في انتخابات رئيس كتلة حركة النهضة في البرلمان، حيث لم يحصل مرشحه نورالدين البحيري سوى على 28 صوتا من جملة 69 صوتا.

وقالت الدوائر إن “العفو العام” الذي أصدره الغنوشي على القيادات وجزء من القواعد المناهضة لقيادته “لم يلق صدى” بل واجهوه باللامبالاة، مشددة على أن الغاضبين لم يرتكبوا من الأخطاء أو الخطيئة ما يستوجب العفو والحال أنه كان على رئيس الحركة الاعتذار على “أخطائه” هو وفي مقدمتها “سطوة قيادته والمقربين منه وتهميش نشطاء متنفذين سياسيا وتنظيميا”.

وشددت الدوائر على أن مسألة العفو التي يروج لها عدد من المقربين من الغنوشي “لم تأت من فراغ” وإنما جاءت بعد أن اقتنع “الشيخ” بأن الكيان التنظيمي للنهضة بات مهددا بالتشظي بعد أن هجر العديد من القيادات المقر المركزي.

وكان عدد من القيادات المقربة من رئيس النهضة روجوا خلال اليومين الماضيين أنه “حريص كل الحرص على ‘وحدة الحركة’ وعلى ‘تماسكها’ وأنه يقود جهودا من أجل ‘مصالحة داخلية تنأى بالتنظيم عن الأزمات التي انزلق فيها عدد من الأحزاب وفي مقدمتها نداء تونس”، مقللين من حدة الخلافات التي تعصف بالحركة منذ خلافة الغنوشي لنفسه على رأس النهضة خلال المؤتمر العاشر الذي أثار الكثير من الجدل.

وتجلى الترويج للغنوشي كـ”رجل مصالحة داخلية” و”أب روحي” للجميع من خلال تصريحات عبدالكريم الهاروني، رئيس مجلس الشورى، الذي أعلن، الأحد، أن الغنوشي “أصدر مؤخرا عفوا عاما للمخالفين من أبناء الحركة”، إيمانا منه بأن النهضة في أمس الحاجة إلى جميع قياداتها وكوادرها وقواعدها.

ويواجه الغنوشي منذ مؤتمر الحركة الماضي “انتفاضة حقيقية” ضد طريقة قيادته التي لا تخلو من التفرد بالقرارات وفرضها دون الرجوع إلى مؤسسات الحركة، الأمر الذي قاد إلى اهتزاز صورته واهتراء “الهالة الروحية” التي ساعدته على بسط نفوذه على التنظيم منذ تأسيسه في بداية الثمانينات من القرن العشرين كجزء من تنظيم الإخوان.

التصويت بالورقة البيضاء يكشف عن موقف رافض لإعادة فرض نورالدين البحيري لرئاسة كتلة الحركة في البرلمان

وتقود “الانتفاضة” قيادات متنفذة تنظيميا وسياسيا ترى أنها تمتلك من “المسار النضالي” ما يجعلها لا فقط قادرة على “منافسة سطوة الشيخ التي طالت زهاء الـ40 عاما، وإنما أيضا مؤهلة لمناهضة رئاسته للحركة خاصة بعد أن منح صلاحيات واسعة لعدد من المقربين منه لا يمتلكون “أي رصيد نضالي وفي مقدمتهم زياد العذاري الأمين العام للحركة ووزير التجارة في حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها يوسف الشاهد.

ويأتي في مقدمة القيادات المناوئة لخيارات الغنوشي كل من عبداللطيف المكي وعبدالحميد الجلاصي.

ورأى هشام بن عمار، المحلل السياسي، أن “إصدار الغنوشي للعفو العام عن الرافضين لقيادته للنهضة يؤكد تمسكه بمبدأ الزعيم الواحد والأوحد الذي يرى أنه الوحيد المخول له الرضا عن القيادات والغضب عن أخرى”.

وشدد بن عمار على أن “رفض العفو هو رفض مشروع لأنه يؤكد تمسك الغاضبين برجاحة مواقفهم وبأنهم لم يرتكبوا ما يستجوب العفو عنهم أصلا”، ملاحظا أنه “كان الأحرى بالغنوشي أن يعتذر على تهميشه لهم”.

ووصفت الدوائر المقربة من النهضة بأن القيادات الغاضبة لم تر في “قرار العفو” سوى “تأكيد ضمني من الشيخ أنه ماض في انتهاج أسلوب غير ديمقراطي يكرس الهيمنة والنفوذ” كما لو أن مخالفيه الرأي “ارتكبوا خطأ يستوجب العفو”.

وخلال الأسابيع الماضية ارتفع منسوب غضب الشق المناهض للغنوشي على خلفية تحدي الغاضبين بل ومعاقبتهم من خلال فتح التنظيم أمام ما يعرف بـ”اليسار الإسلامي” وفي مقدمتهم محمد القوماني، في وقت تطالب فيه أعداد من القيادات بالانفتاح عليها أولا وتسوية الخلافات والإصغاء إلى مطالبها بدمقرطة الحركة بدل الهروب إلى الأمام.

ويتوقع هشام بن عمار “ألا يقود عفو الغنوشي سوى إلى المزيد من تأجيج غضب قيادات وكوادر وقواعد يبدو أنها كثيرا ما صبرت على سطوة رئيس النهضة على القيادة وعلى مؤسسات الحركة”، مشددا على أن هكذا قرار “يعد مؤشرا إضافيا على أن راشد الغنوشي بدا فعلا فاقدا لزمام الأمور”.

وارتفع منسوب الغضب على الغنوشي بشكل واضح خلال انتخاب رئيس كتلة النهضة في البرلمان نورالدين البحيري الذي لم يحصل سوى على 28 صوتا وحصول المترشح الثاني رمزي بن فرج على 6 أصوات، فيما بلغ عدد الأوراق البيضاء 24 ورقة من مجموع الحاضرين البالغ عددهم 69 نائبا.

وقال مراقبون تونسيون إن تصويت 24 نائبا بالورقة البيضاء يكشف عن موقف رافض لإعادة فرض البحيري رئيسا للكتلة، وهو الخيار الذي يريده الغنوشي والقيادة الجديدة المحيطة به.

واعتبر المراقبون أن هذا الموقف بمثابة تمرد من النواب على سياسة رئيس الحركة داخليا.

4