الغنوشي يحاول قطع طريق الانتخابات الرئاسية على رئيس الحكومة

حملت الإطلالة الإعلامية لرئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أكثر من رسالة للداخل والخارج، فيما تنوعت تأويلات المواقف التي أدلى بها حول جملة من المحاور التي شملت الوضع السياسي العام في البلاد ورئيس الحكومة يوسف الشاهد وآفاق تجربة التوافق مع نداء تونس.
الخميس 2017/08/03
التوافق ضرورة براغماتية للنهضة

تونس - أثار الحوار الذي أدلى به رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لقناة نسمة المحلية الخاصة جدلا في الأوساط السياسية، انطلاقا من المواقف والتصريحات التي أطلقها خلال تناوله لعدد من القضايا المرتبطة بالمشهد السياسي وقراءة الحركة للوضع العام.

ظهور الغنوشي في هذا التوقيت كان حمالا بحد ذاته لأكثر من رسالة بحسب المتابعين كان أبرزها موجّها لقواعد الحركة في خضم الاستعدادات للاستحقاقات البلدية التي يعول عليها الإسلاميون لتحقيق وزن مؤثر على مستوى مؤسسات الحكم المحلي، وهو ما يتطلب طمأنة جمهور النهضة حول الوضع الداخلي.

واعتبر المراقبون أن تقييم الغنوشي للوضع الاقتصادي والمسألة الاجتماعية لم يتجاوز حدود التوصيف دون تقديم حلول للوضع، فضلا عن رفضه تأجيل موعد الانتخابات والذي قد يخل بحسابات الحركة لهذا الموعد.

وجدد الغنوشي التأكيد على القطع مع الإسلام السياسي في سياق مراجعة الثوابت الأيديولوجية للحركة، مشددا على أن النهضة “حزب تونسي وطني يعمل في إطار الدستور ولا سلطة مفروضة عليه من الخارج ومن أي بلد في العالم”.

ويفسر المراقبون إصرار الغنوشي على التذكير بتحول الحركة إلى حزب أقرب إلى النزعة المحافظة ضمن بيئته التونسية بكونه محاولة لمغازلة الدوائر الخليجية والغربية عبر تأكيد فك الارتباط العقائدي والسياسي مع تنظيم الإخوان المسلمين.

وتناولت تصريحات رئيس حركة النهضة بشكل خاص العلاقة مع رئيس الحكومة يوسف الشاهد وتقييم أدائه السياسي، الأمر الذي سبب عاصفة من التعليقات نتيجة المواقف الجدلية التي أدلى بها الغنوشي وبخاصة منها مطالبة الشاهد بإعلان موقف واضح بشأن نواياه الترشح للانتخابات الرئاسية سنة 2019.

محمد صالح العبيدي: النهضة تتخوف من أن يشكل الشاهد نموذجا لماكرون تونسي

ولم يخل تقييم الغنوشي للحرب على الفساد وخاصة الإجراءات المتعلقة بإيقاف عدد من رجال الأعمال ومصادرة ممتلكاتهم من نبرة تحفظ وانتقاد مبطن بحسب المتابعين والتي بررها بضرورة الاحتكام إلى القانون و”التحذير من عدم الانفلات وإمساك الأعصاب”.

واعتبر عضو مجلس شورى حركة النهضة بدرالدين عبدالكافي في تصريح لـ”العرب”، أن تأكيد رئيس الحزب على أهمية إنجاز الانتخابات البلدية في موعدها ينطلق من اعتبارها من بين الضمانات الأساسية لاستكمال الانتقال الديمقراطي وإرساء السلطة المحلية التي تمثل أحد رهانات الجمهورية الثانية بما يمكن الجهات من إدارة شؤونها وتحديد أولوياتها خاصة على المستوى التنموي.

وأوضح عبدالكافي أن ما أثاره الغنوشي بشأن الحرب على الفساد ينسجم بشكل عام مع موقف الحركة ولا يخرج عن سياق الدعم اللامشروط الذي عبرت عنه في وقت سابق لرئيس الحكومة في هذا الإطار انطلاقا من كون مكافحة الفساد أحد أبرز التعهدات السياسية للشاهد إلى جانب تضمينه في وثيقة قرطاج.

وبين عضو مجلس شورى حركة النهضة أن تمشي محاربة الفساد لا بد أن يعتمد النفس الطويل والاستمرارية في الزمن، وهو ما عبر عنه رئيس الحركة في تحذيره من الاندفاع في عمليات المصادرة بعيدا عن السلطة القضائية واعتمادا على قرارات استثنائية مؤقتة يتيحها قانون الطوارئ بما يتناقض مع مفهوم دولة القانون التي رسخها الدستور وضرورة احترام مبدأ براءة المتهم حتى ثبوت إدانته.

وأضاف عبدالكافي “صحيح أنه عندما يتعلق الأمر بالإرهاب ومكافحة الفساد قد يكون الاندفاع مبررا ولكن لا بد من تحكيم القانون”.

وعلق عبدالكافي حول دعوة الغنوشي رئيس الحكومة يوسف الشاهد لتوضيح موقفه من الانتخابات الرئاسية القادمة بأنها تأتي في إطار مطالبة الشاهد بالتركيز على استحقاقات المرحلة بما تتطلبه من جهد لترسيخ حياة سياسية مستقرة في البلاد وتثبيت التجربة الديمقراطية بعيدا عن التشتيت الذي قد يسببه التفكير في مرحلة ما تزال سابقة لأوانها. وبيّن عبدالكافي أن رهان قيادة الحركة على استمرار نهج التوافق يعتمد على التنازلات المتبادلة والتي تؤسس لمفهوم الديمقراطية التشاركية، ما يعد ضمانة لنجاح المسار الانتقالي.

ومن جهته اعتبر الكاتب والمحلل السياسي محمد صالح العبيدي في حديث لـ”العرب” أن رسائل الغنوشي التي بعث بها للشاهد تؤكد أن الحديث عن وجود حزام سياسي داعم لرئيس الحكومة غير واقعي، كما تكشف بشكل واضح أن تركيز الطبقة السياسية ينصب بشكل أساسي على موعد 2019 بعيدا عن الاستحقاقات البلدية.

وتنبع مخاوف النهضة، بحسب العبيدي، من حجم التأييد الشعبي الذي يحظى به الشاهد من الشارع التونسي والذي تجاوز مستوى 80 بالمئة بحسب سبر الآراء. وأضاف العبيدي أن “حركة النهضة تتخوف من أن يشكل الشاهد نموذجا لماكرون تونسي ينسف أبرز القوى التقليدية وخاصة الإسلام السياسي”، مبيّنا أن هذه الدعوة تندرج ضمن محاولة لتحجيم رئيس الحكومة وقطع الطريق على طموحاته السياسية.

وأشار المحلل السياسي التونسي إلى أن التحفظ الذي أبداه الغنوشي بشأن الإطار القانوني للحرب على الفساد يخفي على الرغم من صحته تململا من تأثير الإجراءات على عدد من رجال الأعمال المحسوبين على الحركة، مذكرا بأن اسمين من بين الموقوفين كانا معروفين بقربهما من النهضة.

ولفت العبيدي إلى وجود مخاوف متزايدة داخل النهضة من أن تطال الاتهامات بعض القيادات البارزة ضمن عدد من ملفات الفساد مثل قضية البنك التونسي الفرنسي.

4