الغنوشي يزرع أول لغم سياسي أمام حكومة يوسف الشاهد

أثارت تصريحات رئيس حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي الموجهة لأهالي محافظة قفصة وما تضمنته من تحريض لأبناء الحوض المنجمي، على الاستمرار في تحركاتهم الاحتجاجية، تساؤلات حول إستهدافاتها، ومغزى توقيتها، لا سيما وأن رئيس الحكومة يوسف الشاهد سبق له أن أقر في بيانه الحكومي بأن عجلة الاقتصاد توقفت، وأن إنتاج الفوسفات تراجع خلال السنوات الخمس الماضية.
الاثنين 2016/08/29
النهضة لا تظهر حقيقة ما تبطنه للشاهد

تونس – لم ينتظر راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية، بدء حكومة يوسف الشاهد عملها، حتى عاد إلى إطلاق التصريحات التي تنم عن مناورات سياسية هدفها الأبرز مصلحة حركته المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، غير آبه بتداعياتها على الوضع العام في البلاد.

ورغم أن الغنوشي الذي تبدلت مواقفه بتسارع لافت، تجاه حكومة الوحدة الوطنية التي تُشارك فيها حركته بثلاثة وزراء، يُدرك أن رئيسها يوسف الشاهد يرنو إلى مناخ سياسي جديد يُوفر له انطلاقة حكومية بالحد الأدنى من المطبات والألغام السياسية، فإن ذلك لم يمنعه من زرع أول لغم من شأنه إرباك عمل هذه الحكومة التي توصف بـ”الهشة” والقابلة للانفجار في أي لحظة.

وجاء هذا اللغم في تصريحات للغنوشي عكست تناقضا حادا مع مواقفه أثناء حكم حركته للبلاد في أعقاب انتخابات 23 أكتوبر 2011، دعا فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى “التفاوض مع أهالي ولاية (محافظة) قفصة بشأن مشاريع وبرامج التنمية بالجهة”.

ولم يكتف بذلك، وإنما ذهب إلى حد مطالبة الشاهد باقتطاع نسبة من مداخيل ثروات محافظة قفصة، وخاصة منها الفوسفات، وتخصيصها لتنمية المحافظة التي تعاني من مشاكل تنموية، واستفحال البطالة، وانعدام البنية التحتية الضرورية لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية.

واختار الغنوشي إذاعة قفصة المحلية لإطلاق هذه التصريحات التي تضمنت شحنة من “التحريض المكشوف”، حين قال “من غير المعقول أن يرى أهل قفصة الثروة طالعة من أمامهم وهم جوعى”.

منذر ثابت: بوادر فتنة جهوية قد تضع الشاهد أمام امتحان عسير

وأثارت هذه التصريحات وما تضمنته من “تحريض” لأهالي محافظة قفصة، وأبناء الحوض المنجمي على وجه الخصوص، على الاستمرار في تحركاتهم الاحتجاجية، تساؤلات حول استهدافاتها، ومغزى توقيتها، لا سيما وأن رئيس الحكومة يوسف الشاهد سبق له أن أقر في بيانه الحكومي بأن عجلة الاقتصاد في بلاده توقفت، وأن إنتاج الفوسفات تراجع خلال السنوات الخمس الماضية إلى ما كان عليه سنة 1928.

وعلى وقع تلك التساؤلات التي ترافقت مع سجال سياسي تباينت فيه الآراء والمواقف حول أبعاد وتداعيات ما ذهب إليه الغنوشي، وصف مراقبون تصريحاته بأنها خطيرة، وبمثابة اللغم السياسي الذي قد ينفجر قريبا في وجه يوسف الشاهد الذي يتسلم اليوم الاثنين رسميا مهامه الحكومية بعد أن أدى السبت فريقه الحكومي اليمين الدستورية أمام الرئيس الباجي قائد السبسي.

وبحسب الأكاديمي التونسي الدكتور خالد عبيد، فإن تصريحات الغنوشي وما تضمنته من تناقض في مواقفه ليست مُستغربة، ولكنها ليست عادية، وهي بذلك تُحيل إلى ازدواجية الخطاب التي عُرفت بها حركة النهضة الإسلامية، وخاصة رئيسها الذي بدت مواقفه متناقضة بشكل لافت.

وقال لـ”العرب”، إن الخطير في هذه التصريحات يكمن في تداعياتها المُرتقبة، باعتبار أن توقيت إطلاقها ليس مناسبا، وفي غير محله، بل قد تصب الزيت على النار، بالنظر إلى الأوضاع الساخنة التي تعيشها محافظة قفصة، وخاصة منها منطقة الحوض المنجمي التي تشهد احتقانا تراكم على مدى السنوات الخمس الماضية.

واعتبر أن طرح هذه الفكرة، أي اقتطاع نسبة من عائدات الفوسفات لتمويل مشاريع التنمية في محافظة قفصة، في هذا التوقيت بالذات “يبدو مريبا ويُثير تخوفات عديدة، لأنه على الرغم من وجاهتها تفتح الباب أمام بقية المحافظات للمطالبة باقتطاع جزء من ثرواتها لصالحها، ما يعني ضرب مركزية الدولة في التعامل مع ثروات البلاد، وكيفية توزيعها”.

ويُشاطر هذا الرأي، المحلل السياسي منذر ثابت الذي لم يتردد في القول لـ”العرب”، إن ما ورد على لسان الغنوشي “مُقدمة لفتنة جهوية قد تضع الشاهد أمام امتحان عسير في علاقة بالتنمية”.

خالد عبيد: الغنوشي يصب الزيت على النار في منطقة الحوض المنجمي

وأعرب في هذا السياق عن خشيته من أن يكون الغنوشي يسعى من وراء ذلك إلى الدفع بحكومة يوسف الشاهد في اتجاه وضع مسألة التنمية الجهوية على مسار خاطئ، باعتبار أن فتح مفاوضات مع أهالي محافظة قفصة يعني بالضرورة فتح مفاوضات مع بقية المحافظات، وبالتالي إضعاف الدولة.

وبينما تساءل منذر ثابت ما إذا كان الغنوشي يُدرك أنه بتصريحاته تلك بدأ يُثير النعرات الجهوية التي لا أحد ينكر مخاطرها وتداعياتها، على أمن واستقرار البلاد، تُجمع مختلف الأوساط السياسية على أن تونس اليوم لم تعد تتحمل مناورة سياسية من هذا النوع من أي طرف كان، خاصة وأن التحديات التي تواجه حكومة الشاهد كثيرة ولا تُحصى.

لكن ذلك لم يمنع البعض من المراقبين من التقليل من شأن تصريحات الغنوشي، وذهبوا إلى القول إن استهدافاتها سياسية بحتة، ومرتبطة أساسا بمحاولة كسب واستقطاب أهالي قفصة، وتحقيق اختراق لحركته في هذه المحافظة التي تُحسب تاريخيا على اليسار.

وتبدو هذه القراءة منطقية ارتباطا بنظرة الأحزاب السياسية لحكومة الشاهد التي تعكس إجماعا ظاهريا على ضرورة التهدئة الداخلية والمضي قدما في مساعدتها على معالجة الملفات المطروحة أمامها رغم اختلاف المقاربات بشأنها.

غير أن تتعدد المهام والخطوات المنتظرة من حكومة يوسف الشاهد لمعالجة الملفات الساخنة المتعددة التي تنتظرها في هذه المرحلة المعقدة، لا تحجب التخوفات التي أثارتها تصريحات الغنوشي، باعتبار أن هذه الحكومة تحمل في داخلها لغم تفجيرها، بالنظر إلى تشكيلتها التي جاءت على شكل مزيج قابل للانفجار في أي لحظة، كما أن التحديات التي تواجهها يصح وصفها بحقل ألغام سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية، تبدو متحفزة في انتظار لحظة الانفجار.

4