الغنوشي يزور الجزائر في تحرك مثير في توقيته ودلالاته السياسية

الثلاثاء 2017/01/24
لقاء يثير التساؤلات

تونس - في تحرك سياسي لافت، قام راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية بزيارة للجزائر، حيث اجتمع فور وصوله العاصمة الجزائرية مع الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات حول دلالات هذه الزيارة وأبعادها السياسية، لا سيما في هذه المرحلة التي دخلت فيها المنطقة منعرجا خطيرا بسبب ارتفاع حدة التوتر في ليبيا.

ولم تبدد تصريحات الغنوشي في أعقاب هذا الاجتماع، تلك التساؤلات التي باتت تزدحم بها التقارير الإعلامية، وتعليقات المراقبين، وذلك لسببين إثنين؛ أولهما مرتبط بتوقيت هذه الزيارة، والثاني له علاقة بسر الاهتمام المتزايد الذي يحظى به الغنوشي لدى الرئاسة الجزائرية، وهو اهتمام لا يحظى به حتى السياسيين الجزائريين المقربين من الرئيس بوتفليقة.

ويرى مراقبون أن مسألة التوقيت ارتباطا بأبعادها السياسية، تبدو في هذه الزيارة مسألة دقيقة جدا، ولا يمكن تجاوزها، باعتبار أن زيارة الغنوشي هذه جاءت قبل يومين من وصول وزير خارجية مصر سامح شكري إلى تونس في زيارة يبحث خلالها تطورات الأزمة الليبية، وبعد أقل من أسبوع من تصريحات القيادي الليبي المثير للجدل عبدالحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن الليبي التي حذر فيها من أن “إشعال فتيل الحرب في طرابلس سوف يحرق تونس ويمتد إلى الجزائر”.

ولا تخفي مصر وكذلك تونس خشيتهما من انزلاق فوضى الأوضاع في ليبيا نحو الاقتتال بين التشكيلات المسلحة، الأمر الذي سينعكس سلبيا على الداخل التونسي والمصري، لذلك جاءت المبادرة التونسية لعقد قمة ثلاثية تونسية-مصرية-جزائرية ستخصص لمعالجة الانسداد السياسي الذي وصله الحوار الليبي-الليبي، الذي تسبب في تزايد منسوب القلق لدى دول الجوار.

وقد اتخذت هذه الخشية منحى خطيرا في أعقاب تحذيرات القيادي عبدالحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن الليبي، التي جاءت في تصريحات تلفزيونية بثت ليلة الخميس-الجمعة الماضية، والتي وصفتها تقارير إعلامية تونسية وكذلك جزائرية بأنها عبارة عن “تهديد مبطن لتونس والجزائر” إن وقفتا إلى جانب قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر.

وفي تصريحاته التي مازالت تثير حولها الكثير من الجدل، قال عبدالحكيم بلحاج، إن أي عمل عسكري لقوات المشير خليفة حفتر في العاصمة الليبية طرابلس، “يعني إثارة للمشاكل واستجلابا للفوضى، وسيحرق تونس وسيمتد إلى الجزائر”.

ورغم أن عبدالحكيم ربط تحذيراته بالحديث المتزايد حول اعتزام المشير خليفة حفتر حسم الصراع في ليبيا عسكريا من خلال دخوله طرابلس، فإن ذلك لم يمنع المراقبين من القول إن ما جاء على لسان بلحاج هو رسالة سياسية للأطراف الإقليمية والدولية بمفردات عسكرية، وذلك لـ”بث الرعب في صفوفها حتى لا تتخلى عن الجماعات والتشكيلات المسلحة المحسوبة على التيارات الإسلامية”.

وكانت تصريحات عبدالحكيم بلحاج، ورسائله السياسية، قد وجدت صدى لها في العاصمة الليبية، حيث أصدرت الإثنين، تشكيلات أمنية وعسكرية متمركزة في طرابلس، بيانا مشتركا أشارت فيه إلى أنها إذ “تراقب الأوضاع عن كثب، وترصد ما يحصل على الأرض وعلى طاولات الحوار المختلفة”، فإنها “تحذر كل الساسة وقادة الأحزاب المتحدثين باسم طرابلس من الزج بها أو الحديث باسمها في صفقاتهم، وتدعوهم إلى النأي بالعاصمة عن التجاذبات الفكرية والحزبية وإبعادها عن خارطة صراعهم”.

وبلغة فيها الكثير من مفردات التهديد، والغمز باتجاه قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، أضافت في بيانها “لن نسمح لأي كان أن يجر العاصمة إلى الخطر أو يجعلها ورقة ضغط يناور بها أمام المختلفين وأصحاب الأطماع … وعلى كل من يطمح للاستيلاء عليها بالقوة أو يريدها ساحة حرب، أن يعيد حساباته ويعد عدته، فنحن لن نترك مدينتنا لأطماع الساسة أو تجار الحروب وقد استفدنا من التجارب السابقة ولن نلدغ من جحر مرتين”.

وعلى وقع هذه التطورات، قال عزالدين عقيل رئيس حزب الائتلاف الجمهوري الليبي، إن زيارة راشد الغنوشي للجزائر، تؤكد مرة أخرى أن العملية السياسية والأمنية والعسكرية في ليبيا لم تخرج عن دائرة الخضوع لتقلبات المشهد الإقليمي والدولي وتفاعلته.

ولم يستبعد في هذا السياق، أن تكون تصريحات عبدالحكيم بلحاج “مناورة سياسية تندرج في إطار خطة للجماعات الإسلامية هدفها إشاعة الذعر في دول المنطقة، ودفعها إلى عدم تجاهلها في تحرك يستهدف تسوية الملف الليبي”.

واعتبر أن زيارة الغنوشي قد تكون أملتها مثل هذه التطورات، ذلك أن الجميع يدرك أن الغنوشي كانت له تحركات واتصالات مع جماعات الإسلام السياسي في ليبيا في سياق وساطة لدفعها إلى المشاركة في الحوار الليبي-الليبي، وبالتالي القبول بتسوية تبعد شبح عودة الاقتتال إلى ليبيا.

وعلى هذا الأساس، تذهب غالبية القراءات لأبعاد زيارة الغنوشي للجزائر واستهدافاتها السياسية، إلى ربطها بتطورات الملف الليبي الذي يمر بحالة مخاض سياسي وأمني وعسكري بات ينذر بانفجار عسكري وشيك في العاصمة طرابلس.

4