الغنوشي يستحضر خطاب "الثورة" لمواجهة ارتدادات زلزال الرئاسيات

رئيس حركة النهضة يؤكد أن حزبه لن يقف موقف الحياد في الانتخابات وسيدعم "المُرشح الثوري" في الدور الثاني في إشارة إلى المُرشح قيس سعيّد.
الخميس 2019/09/19
محاولة لتحويل الهزيمة المُدوّية إلى “نصر” بخطاب شعبوي

تونس – عاد راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية، إلى مُربع ازدواجية الخطاب من خلال استحضار خطاب “الثورة” وسط سجالات حادة مُرتبطة بالسياق السياسي العام في البلد الذي ضربته موجة تسونامي عاتية تحولت بتفاصيلها ورسائلها إلى علامة فارقة في معادلة رسم خارطة جديدة للمشهد السياسي في البلاد التي تستعد لانتخابات تشريعية مفصلية.

وفي استدارة جديدة إلى الخلف، سعى الغنوشي في حديث تلفزيوني بثته قناة “الزيتونة” المحسوبة على حركته، إلى مُحاولة تحويل الهزيمة المُدوّية التي مُني بها مُرشحه للاستحقاق الرئاسي عبدالفتاح مورو، إلى “نصر”، بخطاب شعبوي تنوعت عناصره وتشابكت في مشهد يُحيط به شبح الإقرار الفعلي بأن سطوة الإسلام السياسي في تونس شارفت على نهايتها.

واختار الغنوشي في ذلك الحديث الذي بُث ليلة الثلاثاء-الأربعاء، تغييب مفردات “التوافق”، و”التعايش”، و”الوحدة الوطنية” التي كانت تطبع خطاباته قبل الاستحقاق الرئاسي المُبكر، مُقابل استحضار مُفردات “الثورة، والثوار، والعمل الثوري” التي كثيرا ما استخدمها خلال السنوات العجاف من حكم “الترويكا” بقيادة حركته.

وقال في حديثه، إن حركة النهضة ستدعم “المُرشح الثوري” في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، الذي سيجمع بين المُرشح المُستقل، أستاذ القانون الدستوري، قيس سعيّد، ومُرشح حزب قلب تونس، رجل الأعمال، نبيل القروي الذي يقبع حاليا في السجن بتهمة التهرّب الضريبي، وغسيل الأموال.

وأكد أن النهضة “لن تقف موقف الحياد في هذه الانتخابات، لأن الحياد لا يسع حزبا كبيرا مثل النهضة في هذه المرحلة،.. وهي بذلك ستدعم المُرشح الأكثر حظوظا شريطة أن يكون منتميا للثورة”، دون أن يذكره بالاسم، رغم وضوح المعنى الذي ينطبق دون شك على المُرشح قيس سعيّد.

محاولة لإعادة التموقع بعد الزلزال السياسي
محاولة لإعادة التموقع بعد الزلزال السياسي

وبهذا التأكيد، يكون الغنوشي قد استبق هزات جديدة داخل حركته، لاسيما وأن عددا من القياديين البارزين، منهم عامر العريض، وعبداللطيف المكي، والعجمي الوريمي، لم يترددوا في التعبير عن دعمهم للمُرشح قيس سعيّد، حيث اعتبر المكي في تدوينة له أن موقفه الداعم لقيس سعيّد “يمليه عليه واجب الانتصار للثورة ولأهدافها”، فيما وصفه العجمي الوريمي بـ”العصفور النادر” الذي كانت تبحث عنه حركة النهضة.

وقبل ذلك، وصف الغنوشي في مؤتمر صحافي أن النتائج التي حصل عليها مُرشح حركته للانتخابات الرئاسية، عبدالفتاح مرور، بـ”المشرفة”، قائلا “نعتبر أن نتائجنا مُشرفة قياسا بالمدة القليلة.. لم نعدّ أنفسنا للانتخابات الرئاسية وكنا نعدّ أنفسنا للانتخابات التشريعية ونبحث عما أسميناه العصفور النادر”.

وبدا واضحا أن الغنوشي، الذي بات يُواجه موجة غضب صاخبة داخل حركته نتيجة خياراته السياسية ومواقفه المُتقلبة، وجد ضالته في قيس سعيّد، لتفادي الانهيارات التنظيمية التي تقترب من حركته، وبالتالي العودة إلى ذلك الخطاب “الثورجي” عله بذلك يحتوي ارتدادات التسونامي السياسي الذي تُجمع القراءات على أن تأثيراته ستتجاوز حدود الانتخابات الرئاسية لتشمل حسابات الانتخابات التشريعية القادمة.

وضمن هذا المشهد الذي تأخذ فيه مناورات الغنوشي سياقا جديدا على أبواب الانتخابات التشريعية، يدفع استحضار مفردات “الثورة” نحو المزيد من الهواجس والمخاوف من شبح المواجهة، التي تحيط بالمشهد العام في البلاد سواء كان بحكم الأمر الواقع، أو اقتضت الضرورة السياسية والحسابات الحزبية ذلك، وسط عاصفة من التكهنات بأن البلاد مُقبلة على اصطفافات جديدة.

وتضع متاهة الاحتمالات والتكهنات التي يحاول من خلالها الفاعلون السياسيون إعادة صياغة الخارطة السياسية، المشهد العام أمام خيارات مُقلقة للجميع، فهو غير قادر على إلغاء الانطباع العام بأن الارتدادات الأولى لتسونامي الاستحقاق الرئاسي المُبكر، لم تضرب حركة النهضة فقط، وإنما أعادت البلاد إلى مُربع العام 2011، حيث المواجهات السياسية الساخنة التي تسببت في أزمات تفجرت في اتجاهات مُتعددة.

وعلى وقع هذه الصورة التي تعكس نزوعا واضحا لإيقاظ اصطفافات العام 2011 تحت عناوين لا يستبعد من فرضياتها الأخذ بعين الاعتبار ما استجد من مُعطيات جديدة، لا يتردد الغنوشي في إعادة النفخ السياسي بمفردات “الثورة” على أمل توظيفها في الحسابات التي تمليها علاقته المتوترة مع أعضاء حركته، وفي عملية حفظ ماء الوجه التي يبحث عنها.

وفي المقابل، تتسع مساحة المعادلات السياسية لبقية الأحزاب، في سياق عملية البحث عن ذريعة للهروب من الأزمات التي تعصف بخياراتها، وما خلفته من انتكاسات، يصعب معها الحديث عن تموقع جديد لها بسبب تلاشي دورها وتآكل بقاياه وسط مشهد سياسي ضبابي ومُعقد.

4