الغنوشي يقتفي أثر برّي في الاستحواذ على القرار داخل مؤسسات الدولة

تساؤلات في تونس عن سر التجاء رئيس البرلمان إلى أردوغان في كل مناسبة بحثا عن حل.
السبت 2020/03/28
يكرر ما يفعله بري

تونس - يتحرّك راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي، في كل اتجاه خلال أزمة فايروس كورونا، ليبدو الرجل الأول في تونس ويغطّي على أداء الرئيس قيس سعيّد، ورئيس الحكومة إلياس الفخفاخ، ووزير الصحة عبداللطيف المكي، في نسخة شبيهة بأداء رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري الذي يبسط قبضته على المؤسسات اللبنانية بدءا من البرلمان الذي يرأسه منذ تسعينات القرن الماضي، وصولا إلى الحكومة التي بات يفصّلها على مقاسه كزعيم لحركة أمل وعلى مقاس حليفه حسن نصرالله، أمين عام حزب الله.

وفيما يكتفي رؤساء البرلمانات في مختلف الدول بأنشطة داخلية وخارجية مرتبطة بمجال التشريعات، يترك الغنوشي هذه المهمة، التي لا تخطف الأضواء، ويجري اتصالات خارجية بحثا عن مساندة تونس في محنة كورونا، وهو تحرك يصفه متابعون للشأن التونسي بأنه تعدّ على عمل رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومة ووزير الصحة، الذين يفترض أن يكون هذا التحرك جزءا من نشاطهم اليومي.

وقالت حركة النهضة الإسلامية منذ يومين إن الغنوشي أجرى اتصالا مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأن الأخير وعد بتقديم مساعدات لتونس لدعم جهودها في مقاومة كورونا. وفيما يروّج أنصار “النهضة” للدعم التركي، الذي لم يصل بعد، على أنه تأكيد على منزلة الغنوشي لدى تركيا، فإن مراقبين يتساءلون عن سر التجاء رئيس البرلمان إلى أردوغان في كل مناسبة بحثا عن الحل.

وكان الغنوشي قد لجأ إلى أردوغان، في زيارة مفاجئة وعاجلة بعد ساعات من سقوط حكومة الحبيب الجملي، وفي خضم جدل بشأن الموقف التونسي من ليبيا. وأثارت الزيارة ردود فعل غاضبة وسط اتهامات لرئيس حركة النهضة بإفشاء أسرار تونس للأتراك، وهي أسرار يحصل عليها بصفته رئيسا للبرلمان وعضوا في مجلس الأمن القومي، متسائلين عن سرّ اللقاء المغلق الذي جمعه بأردوغان وما إذا كانت له علاقة بتقديم تسهيلات للتدخل التركي في ليبيا.

وقالت رئيسة الحزب الدستوري الحر، عبير موسي، في تعليقها على زيارة الغنوشي إلى تركيا، إن “الدولة التونسية مخترقة والأمن القومي في خطر”، مضيفة أن الغنوشي عقد جلسة مغلقة مع أردوغان بعد حضوره اجتماع مجلس الأمن القومي واطّلاعه على الخطة العسكرية والأمنية لتونس.

 

الغنوشي يحرص على إظهار أنه الرجل الأول، وبصلاحيات أكبر من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة

إقرأ أيضاً: النهضة تناور بقبول تفويض جزئي لصلاحيات البرلمان

ويحرص الغنوشي على إظهار أنه الرجل الأول في تونس، ليس فقط بسبب كونه رئيسا للبرلمان، ولكن رئيسا لحركة تهمين على الحكومة، وأن رئيس الجمهورية صلاحياته محدودة، ومن ثمة فإن رئيس الحزب صاحب الغالبية في البرلمان والحكومة هو الحاكم الفعلي في البلاد.

ويكسر رئيس حركة النهضة تقاليد إدارة الدول بمثل هذا السلوك، ففي مختلف التجارب تتولى السلطة التنفيذية إدارة الشأن العام المباشر، حيث يتولى الوزراء إعلام رئيس الحكومة الذي يتشاور مع رئيس الجمهورية للاتفاق حول خطط التحرك ومعالجة أيّ ملف، وليس هناك أيّ تجارب تكون فيها السلطة التنفيذية مجبرة على إبلاغ رئيس البرلمان إلا في حالات تتعلق بالشغور.

ولم تدفع عقلية الهيمنة إلى صدام بين الغنوشي وسعيّد والفخفاخ، ولكن أيضا إلى صدام بينه وبين قيادات وعناصر فاعلة في النهضة بسبب إصراره على إدارة الحركة بكل مؤسساتها وتفاصيلها بالتوازي مع رئاسة البرلمان، ما أدى إلى إعلان استقالة قيادات بارزة مثل زياد العذاري الأمين العام للحركة، وعبدالحميد الجلاصي، أحد القيادات المؤثرة فيها، فيما خيّر آخرون الانسحاب دون استقالة مثل محمد بن سالم، العضو السابق للمكتب التنفيذي.

وتزيد الأزمة الأخيرة في البرلمان الخاصة برفض تقديم تفويض محدود لرئيس الحكومة لإدارة أزمة كورونا، من الضغوط على الغنوشي الذي بدا موقفه ضعيفا في الجلسة العامة مساء الخميس، وكانت وراء ارتباك أدائه في رئاسة الجلسة وطريقة نطق مفردة كورونا ما أثار موجة من السخرية في البرلمان وعلى مواقع التواصل الاجتماعي.

وقال الغنوشي إنه “لا مجال للتنازع أو الاختلاف لأن عنوان المرحلة الوحدة في مواجهة الصعوبات”.

وأضاف الغنوشي مخاطبا النواب، أن “وحدتنا هي سرّ قوتنا في مواجهة هذا التحدي (في إشارة إلى كورونا) وهو وعي عبّرت عنه كل القوى الحية في البلاد”.

لكن حركة النهضة، وبسبب الموقف المتصلب للغنوشي، أفشلت هذه الوحدة مستفيدة من تحالفات هشة مع كتل غاضبة لم يتم استيعابها في حكومة الفخفاخ، ما يضعها في مواجهة مع الشارع المستاء من تعدد سلطات القرار والتنافس الذي يهدد أمن البلاد.

ويشير مراقبون سياسيون إلى أن رئيس البرلمان التونسي يقتفي أثر رئيس البرلمان اللبناني الذي دأب خلال العقود الأخيرة، على الظهور في كل المناسبات وارتبط اسمه بالأزمات الأمنية والسياسية التي عاشها لبنان في العقود الأخيرة بدءا من الحرب الأهلية (1975 – 1990) واتفاق الطائف، وصولا إلى سوء إدارة أزمة كورونا.

وهناك تشابه كبير في أداء رئيس البرلمانين في تونس ولبنان محليا وخارجيا.

وفيما تحيط بالغنوشي الشكوك من كل اتجاه بسبب رهن تونس لأجندات تركيا وقطر وبسبب ارتباطاته بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، حيث كان أحد المرشحين لخلافة رجل الدين المصري الهارب يوسف القرضاوي على رئاسة اتحاد علماء المسلمين كواجهة سياسية لجماعة الإخوان، فإن بري ظل من بعد الحرب الأهلية حافظا أمينا لنظام المحاصصة. كما بات اهتمامه مركزا على خدمة أجندات خارجية تحت عنوان خدمة الطائفة وتقوية نفوذها.

1