الغنوشي ينأى بنفسه عن الأزمة ويتهم المنظومة التعليمية والاجتماعية

المشيشي يمضي بقوة لتمرير التعديل الحكومي بمساندة النهضة.
الأربعاء 2021/01/27
اتفاق المساء تغير بعد اللقاء

تونس - في الوقت الذي بلغ فيه الصراع أشده بين الرئيس التونسي قيس سعيد، ورئيس الحكومة هشام المشيشي، وفي ظل غضب شعبي واسع على فشل الحكومات خلال السنوات الماضية في إدارة الملف الاقتصادي، سعى راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة ورئيس البرلمان إلى النأي بنفسه عن الأزمة وتحميل المنظومة التعليمية والاجتماعية مسؤوليتها.

وبعد أن اتهم قياديون في حركة النهضة المحتجين من الشباب بأنهم مخربون وقطاع طرق، غير الغنوشي الاتجاه وسعى في كلمته أمام البرلمان، الثلاثاء، إلى إظهار تفهمه لمطالب هؤلاء المحتجين، معتبرا أن الأمر لا يقتصر على تونس وحدها بل يهم مختلف بلدان العالم.

وقال الغنوشي إن “هذه الأوضاع دفعت العديد من الفئات وداخل أغلب الجهات إلى التعبير عن هذه الآلام والأوجاع وكان الشباب، ومنهم صغار السنّ، في مقدّمة هذه الاحتجاجات”، مشددا على ضرورة “الوقوف إلى جانب هؤلاء الأطفال والشباب الذين هم  ضحايا فشل المنظومة التعليمية والاجتماعية”.

ويحاول رئيس البرلمان التونسي امتصاص الغضب الشعبي بعد التوتر بين الرؤساء الثلاثة والخلافات العميقة بشأن الصلاحيات وتأويل الدستور.

وتردد صدى هذا الصدام السياسي بقوة داخل البرلمان وفي محيطه الذي بدا، الثلاثاء، مُسيجا بتعزيزات أمنية كبيرة أثناء مناقشة التعديل الحكومي الواسع الذي أعلنه رئيس الحكومة في السادس من الشهر الجاري، وسط تنافر في الآراء والمواقف حول توقيته وأهدافه الخفية.

مصطفى بن أحمد: الصدمة السياسية ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن تونس
مصطفى بن أحمد: الصدمة السياسية ستكون لها انعكاسات خطيرة على أمن تونس

ووصل هذا التنافر إلى حد اتهام المشيشي بالارتماء في أحضان حركة النهضة الإسلامية، وحليفيها حزب قلب تونس برئاسة رجل الأعمال نبيل القروي، الذي يقبع حاليا داخل السجن بشبهة فساد، وكتلة ائتلاف الكرامة المثيرة للجدل، والاستقواء بهذا التحالف الثلاثي على الجميع.

وتجلى هذا الاستقواء في اختيار المشيشي المرور بقوة نحو البرلمان لتمكين الوزراء الجدد -الذين اقترحهم للانضمام إلى فريقه الحكومي، وعددهم 11- من الحصول على ثقة البرلمان، غير آبه بالملاحظات والانتقادات التي أبداها الرئيس سعيد الذي كان قد صعّد من خطابه السياسي ضد رئيس الحكومة، وفي مواجهة هذا الائتلاف الثلاثي، الأمر الذي انعكس صخبا داخل البرلمان.

وكشفت مصادر سياسية لـ”العرب” أن قرار المرور بقوة تم اتخاذه في أعقاب فشل الاتصالات والمشاورات الكثيفة التي جرت تحت عنوان “مساعي ربع الساعة الأخير” لتهدئة الأوضاع، وإبعاد شبح الانسداد والانقسام السياسي العمودي بين الرئاسات الثلاث.

وقالت إن تلك المساعي جرت على نطاق واسع ليل الإثنين – الثلاثاء، بمشاركة عدد من النواب البرلمانيين، والسياسيين، ورؤساء أحزاب، بالإضافة إلى نورالدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية في البلاد)، حيث سعى المشاركون فيها إلى محاولة إقناع المشيشي بمراجعة خياراته، وعدم الذهاب بعيدا في قطيعته مع الرئيس سعيد.

وتم في هذا السياق التقدم بجملة من الاقتراحات إلى المشيشي، منها اقتراح حول تأجيل عرض التعديل الحكومي على البرلمان لنيل الثقة، لمدة 72 ساعة، يتم خلالها سد الشغور الحاصل على مستوى الوزارات التي تُدار حاليا بالنيابة، وبعد ذلك إجراء تعديل وزاري واسع في غضون شهر أو شهرين.

وأكدت المصادر أن المشيشي أبدى نوعا من التفهم لهذه الاقتراحات، لكنه سرعان ما غير موقفه بعد الاجتماع مع الغنوشي، في الليلة نفسها، حيث قدم له ضمانات بتمرير الوزراء المقترحين، وبدعمه في المواجهة مع الرئيس سعيد، ليتمسك بعد ذلك بالذهاب إلى البرلمان لنيل الثقة لفريقه الحكومي الجديد.

وحذر النائب مصطفى بن أحمد، القيادي في حزب تحيا تونس، من خطورة المربع الذي دخله الوضع السياسي في البلاد.

وقال بن أحمد في تصريح لـ”العرب”، إن “الوضع خطير جدا، واستمرار هذا التصعيد بهذا الشكل من شأنه الزج بتونس في أتون معارك سياسية جانبية لها انعكاسات خطيرة على مجمل الأوضاع في البلاد”.

واعتبر أن أبرز هذه المخاطر تكمن في أن تمرير التعديل الحكومي بتركيبته الحالية سيجعل الحكومة والبرلمان في واد، والرئاسة والشعب في واد آخر، ما يعني “انزلاق الأزمة السياسية في البلاد نحو اللبننة”، وذلك في إشارة إلى الأزمة السياسية المستفحلة في لبنان.

وتساءل “لمصلحة من نفجر العلاقة بين رؤوس الدولة وتعريضها لخطر التفكك؟ ألا يوجد من يخطو خطوة إلى الوراء ويعطي الفرصة للحوار ونزع فتيل الانفجار الذي قد يأتي على الأخضر واليابس؟”.

Thumbnail

ويُجمع المراقبون على أن الوضع في البلاد دخل بعد الرجة التي أحدثها الرئيس سعيد بكلمته مساء الإثنين، التي هز فيها أركان الحكومة، وحزامها البرلماني، وما حصل الثلاثاء تحت قبة البرلمان، في مناخ يتسم بتصعيد خطير يفتح الباب على متغيرات يصعب تحديد مآلاتها بالنظر إلى حالة الاحتقان الشعبي الذي يحيط بمختلف الفئات العمرية.

ولم يُبدّد رئيس الحكومة في كلمته أمام البرلمان هذه المخاوف وحالة الاحتقان، وإنما زاد في توتير الوضع عندما قال إنه سيعمل على “القطع مع الشعبوية المقيتة”، وذلك في إشارة إلى الرئيس سعيد، الأمر الذي جعل المداولات تحت قبة البرلمان تتسم بالكثير من الغضب الذي عكسته مداخلات البرلمانيين على خلفية الإجراءات الأمنية المُشددة التي عرفها محيط البرلمان.

وحضر الجلسة البرلمانية التي ترأسها الغنوشي 165 نائبا من أصل 217 نائبا، حيث شهدت في بداية أعمالها توجيه انتقادات حادة للإجراءات الأمنية التي اتخذتها وزارة الداخلية التي يديرها حاليا بالنيابة رئيس الحكومة، لحماية البرلمان، حيث ذهب عدد من النواب إلى حد وصف هذه الإجراءات بـ”الحصار البوليسي”.

وتساءل النائب مروان فلفال عن كيفية التداول ومناقشة التعديل الوزاري في برلمان “تحت حصار بوليسي رهيب”، وذلك في الوقت الذي اعتبر فيه النائب حاتم بوبكري أن ما يحدث خارج أسوار قاعة الجلسة البرلمانية العامة هو “عسكرة رهيبة لمحيط البرلمان الذي أصبح محاصرا بالمدرعات”.

ولم يتردد النائب هيكل المكي في القول إنه “من غير الممكن أن تنعقد الجلسة العامة في ثكنة لا في البرلمان”، منددا بما وصفه بـ “محاصرة مجلس نواب الشعب لمنع الشباب الغاضب والمحتج سلميا من الوصول إلى البرلمان”.

وكانت السلطات التونسية قد دفعت بتعزيزات أمنية كبيرة إلى ساحة باردو حيث مقر البرلمان، وفرضت العديد من الحواجز لمنع وصول المحتجين إلى البرلمان، وذلك في أعقاب دعوة 26 منظمة وجمعية وطنية إلى تنظيم يوم غضب وطني والاحتجاج أمام البرلمان تنديدا بتردي الأوضاع في البلاد.

1