الغنوشي ينحني لضغوط مناوئيه بإدانة ائتلاف الكرامة

هل فكت النهضة الارتباط بائتلاف الكرامة تمهيدا لترتيبات سياسية جديدة؟
الأحد 2021/01/17
حليف غير موثوق به

أعلن راشد الغنوشي رئيس البرلمان التونسي وزعيم حركة النهضة عن إدانته للعنف الذي استهدف نوّابا خلال جلسة صاخبة للجنة برلمانية قبل شهر، ما دفع المتضررين إلى الدخول في اعتصام مفتوح. ويرى متابعون أن إدانة الغنوشي لحليفه الحكومي حزب ائتلاف الكرامة تأتي في إطار ترتيبات سياسية جديدة تستوجب منه إعادة التموقع تفاديا لسيناريو إزاحته من على رأس البرلمان.

تونس – أدان رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي مساء الجمعة “الاعتداء الذي قام به نواب من ائتلاف الكرامة على زملائهم من الكتلة الديمقراطية” في خطوة تكشف عن رضوخ الغنوشي للضغوط التي باتت تُهدد رئاسته للبرلمان.

وقال الغنوشي في بيان “إن رئيس مجلس نواب الشعب (البرلمان) إثر اطلاعه على حيثيات حادثة العنف الذي تعرّض له يوم 7 ديسمبر 2020 النواب: أنور بالشاهد، سامية حمودة عبّو، وأمل السعيدي (…) يدين بشدّة العنف المادي الذي صدر عن بعض نواب كتلة ائتلاف الكرامة، ويعتبر ما مارسوه سابقة خطيرة يجب ألّا تتكرّر”.

وفور إصدار رئاسة البرلمان لهذا البيان الذي كان بمثابة إعلان لفك ارتباط بين حركة النهضة الإسلامية (54 نائبا) وكتلة ائتلاف الكرامة (18 نائبا)، تعددت القراءات والتأويلات لهذه الخطوة التي تأتي في وقت تتسارع فيه التطورات السياسية.

ويرى مراقبون أن هذا القرار قد يكون في إطار ترتيبات معينة ستُفضي في نهاية المطاف إلى إعادة الدفء إلى علاقات النهضة ورئيسها الغنوشي مع بعض مكونات المشهد السياسي والنقابي، خاصة أن ائتلاف الكرامة يُعد من المكونات “المنبوذة” سياسيا نظرا للخطاب الذي يتبناه.

ويُضيف هؤلاء أن خطوة الغنوشي هذه تستبق الحوار الوطني الذي ترفض العديد من الأطراف مشاركة ائتلاف الكرامة فيه.

وقال البرلماني السابق والناشط السياسي الصحبي بن فرج، إن هذا البيان “قد يكون في إطار صفقة اكتملت أو بصدد التحضير لها (…) هذا البيان أعلن فيه الغنوشي عن انتهاء تحالفه مع ائتلاف الكرامة الذي يعد الذراع العنيفة والراديكالية لحركة النهضة”.

وأضاف بن فرج في تصريح لـ”العرب”، أنه “إذا تخلت حركة النهضة عن هذه الذراع فلن يكون ذلك اعتباطيا، ليس لأن الغنوشي خائف أو لأن هناك إضراب جوع أو غيره (…) هذا البيان هو صفقة في اتجاه حلحلة الأوضاع في البرلمان والحكومة والمشهد السياسي ككل”.

الصحبي بن فرج: تبرّؤ النهضة من ائتلاف الكرامة وراءه صفقة جديدة
الصحبي بن فرج: تبرّؤ النهضة من ائتلاف الكرامة وراءه صفقة جديدة

وتابع “النهضة تُحاول الذهاب في مصالحة أو إبرام صفقة ما مع الأطراف السياسية والنقابية بالتبرّؤ من ائتلاف الكرامة، لأننا ندرك علاقة هذا الائتلاف باتحاد الشغل (المركزية النقابية في تونس) وبالرئيس قيس سعيّد وجل الأطراف السياسية (…) هذه الأطراف ترفض الدخول في أي حكومة تضم النهضة لأن ائتلاف الكرامة يمثل أحد داعميها”.

وتترقب تونس حوارا وطنيا من المفترض أن يتم إجراؤه في وقت لاحق، لكن هناك تكهنات بفشله قبل حتى انطلاقه بسبب مناورات تقودها حركة النهضة الإسلامية وحلفاؤها الذين من بينهم ائتلاف الكرامة في علاقة بحكومة هشام المشيشي.

وتدفع “الوسادة البرلمانية” للمشيشي نحو إجراء تعديل وزاري من المنتظر الإعلان عنه لاحقا، لكن هذا التعديل سيؤدي إلى المزيد من توتير علاقة الرئيس قيس سعّيد واتحاد الشغل مع الحكومة.

ويتهم اتحاد الشغل الأطراف التي تسعى إلى إجراء التعديل الوزاري بمحاولة عرقلة مبادرته التي طرحها، والتي ترمي إلى إجراء حوار وطني يستهدف حلحلة الأزمات السياسية والاقتصادية الراهنة.

ويعيش الغنوشي على وقع عزلة داخل البرلمان، حيث تتالت الاتهامات له بسوء تسيير مجلس النواب، فيما اختار الحزب الدستوري الحر الذي لا يعقد تحالفات قوية داخل البرلمان اللجوء إلى لائحة سحب ثقة جديدة منه.

ويرى مراقبون أنه قد يكون من أسباب إدانة الغنوشي لكتلة ائتلاف الكرامة المقربة منه توجسه من أن تذهب الكتلة الديمقراطية في مواجهة معه إلى الأقصى من خلال الانضمام إلى الدستوري الحر، وتكثيف التحركات من أجل سحب الثقة منه.

وهذه ليست أول لائحة سحب ثقة يواجهها الغنوشي، حيث نجا في وقت سابق من العام الماضي من لائحة مماثلة بعد أن تلقى دعما من حلفائه حزب قلب تونس (30 نائبا) وائتلاف الكرامة.

وخاضت الكتلة الديمقراطية، وهي كتلة تجمع بين نواب التيار الديمقراطي وحركة الشعب “اعتصام الإرادة” احتجاجا على تعرض نوابها إلى العنف، قبل أن يدخل العديد منهم في إضراب جوع تمّ حله بعد صدور بيان الإدانة.

من جهة أخرى، عجلت هذه الإدانة بتفكك الحزام السياسي الداعم لحكومة المشيشي ما يضع التعديل الوزاري المقرر الإعلان عنه في وقت لاحق على المحك.

وخرج رئيس كتلة ائتلاف الكرامة سيف الدين مخلوف في تصريحات تعهد فيها بعدم التصويت لأي قوانين تُطرح من النهضة ولا التعديل الوزاري.

وقال مخلوف في تصريح لقناة التاسعة المحلية “لقد طعننا الغنوشي في الظهر (…) من اليوم لن نصوت له ولأي قانون، وليبحث عمّن يصوت له في جلسة الثلاثاء القادم”، في إشارة إلى الجلسة التي سيتم فيها إقرار تدابير تضمن استمرارية عمل مجلس النواب.

وقال المحلل السياسي باسل الترجمان، إن “بيان الإدانة جاء بعد ضغط كبير، والغنوشي أُجبر على ذلك بعد 39 يوما من الحادثة لأن رئاسته للبرلمان مهددة (…) البيان متأخر لكن التساؤل الذي يُطرح اليوم هو عن تفاعله بعد البيان، لأنه من المفترض أن يتم رفع الحصانة عن النواب المدانين. فهل سيُقدم الغنوشي على هذه الخطوة تمهيدا لمقاضاتهم؟”.

وأضاف الترجمان في تصريح لـ”العرب”، أن “هذه الإدانة التي تسببت في تصدع العلاقة بين النهضة وائتلاف الكرامة، ستكون لها ارتداداتها حتى داخل النهضة لأن هناك شقا داخل النهضة وبين أنصارها يتبنى خطاب ائتلاف الكرامة، والخلاف لم يعد بين ائتلاف الكرامة والغنوشي”.

وأوضح “بالنسبة إلى التعديل الحكومي فقد أخذ مستويين؛ إما سد الشغورات في بعض الوزارات (الداخلية والبيئة والثقافة) أو تعديل معمّق. وفي اعتقادي لا الظرف ولا الإمكانية ولا حتى رئيس الحكومة نفسه قادر على الذهاب في هذا التوجه نظرا للوضع الاقتصادي الصعب والغضب الشعبي المتنامي والفشل في إدارة الملفات الحارقة وأبرزها الأزمة الصحية (…) لا أعتقد أن المشيشي سيقفز مثل هذه القفزة إلى المجهول”.

2