الغنوشي يُمهد للتراجع عن دعم النهضة للشاهد

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي يستعد لإلقاء كلمة سياسية هامة.
الأربعاء 2018/06/20
التخلي عن الشاهد

تونس -  بدأت بوادر انفراج تلوح في أفق المشهد السياسي التونسي من شأنها تحريك عناصر الأزمة الراهنة، وخاصة تلك المُرتبطة بحركة النهضة الإسلامية. وفرضت تلك البوادر التي باتت تتجمع بوتيرة عالية على وقع الاتصالات والمشاورات التي تتالت خلال اليومين الماضيين، قراءة جديدة لمآلات الانسداد السياسي الناتج عن تعثر اجتماعات الموقعين على وثيقة قرطاج، بسبب تباين المواقف حول بقاء أو رحيل الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

وتدفع تلك القراءة باتجاه قرب تجاوز النقاط الخلافية، بعد أن أدركت حركة النهضة الإسلامية أنها لن تكون قادرة على الاستمرار في التمسك بيوسف الشاهد، وبالتالي مواجهة التيار الرافض لموقفها الذي بدأ يُحيط بها من كل جانب.

وقالت مصادر نقابية لـ”العرب” إن جملة من المؤشرات برزت خلال اليومين الماضيين، تدل على أن حركة النهضة دخلت مرحلة مراجعة موقفها الداعم لرئيس الحكومة بعد أن اتضحت للجميع خطورة سياسة التصعيد المزدوج التي تنتهجها في سياق توظيفها للأزمة لتحقيق المزيد من المكاسب الخاصة على حساب مصلحة الوطن.

وكشفت أن نورالدين الطبوبي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، تلقى الإثنين اتصالا هاتفيا من راشد الغنوشي، طلب فيه التريث وعدم الاستعجال في اتخاذ قرارات سياسية هامة، مُلمحا إلى استعداد حركته للقبول بتفاهمات من شأنها رفع الغطاء عن يوسف الشاهد، وبالتالي الموافقة على رحيله وتشكيل حكومة جديدة.

غالبية الأحزاب التي اجتمع معها الطبوبي ترى أن مجريات الصراع لم تعد تسمح بأي حساب خاطئ قد تستفيد منه حركة النهضة

وأشار إلى أن هذا الاتصال الهاتفي الذي وُصف بالانعطافة الجديدة في موقف حركة النهضة الإسلامية، جاء بعد نحو خمس ساعات من اجتماع الغنوشي مع الطبوبي، تمسك خلاله الغنوشي ببقاء الشاهد في منصبه.

كما أن هذا الموقف الجديد جاء بعد لقاء جمع بين الرئيس الباجي قائد السبسي ونورالدين الطبوبي، دام أكثر من ساعتين في منطقة سكرة حيث منزل الرئيس السبسي، تم خلاله استعراض الوضع العام في البلاد، والمشاورات الجارية لتشكيل جبهة سياسية واسعة لمواجهة التحالف بين النهضة ويوسف الشاهد.

وما كان لافتا بعد الاجتماعين أن الطبوبي كثّف اتصالاته مع الأحزاب والمنظمات الوطنية، حيث أجرى سلسلة جديدة من المشاورات شملت رضا بالحاج المنسق العام لحركة تونس أولا، وعبيد البريكي الأمين العام لحركة تونس إلى الأمام، وسميرة الشواشي عن حزب الاتحاد الوطني الحر، بالإضافة إلى سمير ماجول رئيس منظمة أرباب العمل.

وأحيطت هذه الاجتماعات بنوع من التكتم، رغم أن الجميع يُدرك أنها تندرج في سياق البحث عن تفاهمات لتشكيل جبهة سياسية واسعة تكون رقما في الحسابات الميدانية لجهة تحديد الأولويات في هذه المرحلة.

لكن مصادر حزبية شاركت في جزء من تلك المشاورات قالت لـ”العرب” إن هناك شبه إجماع على أن طبيعة الصراع الحالي تستدعي التأني، باعتبار أن المرحلة الراهنة تُعد الأكثر إثارة للقلق وتنذر بمخاض عسير لا بد من التحكم في نتائجه.

عبد الستار المسعودي:  النهضة مستعدة للتخلي عن الشاهد إذا حصلت على سعر سياسي مجز
عبد الستار المسعودي:  النهضة مستعدة للتخلي عن الشاهد إذا حصلت على سعر سياسي مجز

واعتبرت أن غالبية القوى الحزبية التي اجتمع معها الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل خلال اليومين الماضيين، ترى أن مُجريات الصراع الحالي لم تعد تسمح بأي حساب خاطئ قد تستفيد منه حركة النهضة الإسلامية.

وأضافت أن تلميحات الغنوشي إلى إمكانية تراجع حركته عن موقفها الداعم ليوسف الشاهد ليست مجرد تغيير في منحى سياسته، وإنما تعكس خشية هذه الحركة من التداعيات والانعكاسات المُرتقبة التي قد تتجاوز قدرتها على تحملها، خاصة في هذه الفترة التي تزدحم فيها ملامح الحسم النهائي.

وأشارت في هذا السياق إلى أن تلك التلميحات قد تكون خطوة استباقية لما سيقوله الرئيس الباجي قائد السبسي في كلمته السياسية المرتقبة خلال الأسبوع الجاري، ما يعني أن حركة النهضة قد تكون أيقنت أن استثمارها في الانسداد عبر دعم يوسف الشاهد لن يُحقق لها المكاسب السياسية التي تُريد.

ويرى مراقبون أن جوهر سياسة حركة النهضة يقوم دائما على التّحول والانعطاف كلما دعت إلى ذلك مصلحتها، وليس مُهما أن يجري ذلك قسريا أو اختياريا، لأن المهم بالنسبة لها هو الحفاظ على مصالحها، ما يعني أن تخليها عن يوسف الشاهد يبقى الخيار المؤجل الذي قد تضطر إلى القبول به.

ولم يستبعد المحامي عبدالستار المسعودي، القيادي السابق في حركة نداء تونس، إمكانية تخلي حركة النهضة الإسلامية عن يوسف الشاهد، بعد أن شارفت على استنفاد أوراقها، ووصول مناورتها إلى طريق مسدود.

وقال لـ”العرب” إن هذه التطورات تؤكد مرة أخرى أن دعم حركة النهضة ليوسف الشاهد هو تكتيك آني يتبدل مع تبدل ملامح المشهد، ومحكوم بمساومات سياسية، وبالتالي هي “على استعداد للتخلي عنه متى حصلت على سعر سياسي مُجزٍ”.

واعتبر أن حدوث ذلك أصبح مسألة وقت لا أكثر ولا أقل، وهي بذلك لا تحتاج إلى الكثير من الجهد لتوضيحها، كما لا تستدعي الكثير من العناء لإثباتها، لا سيما أن ما حصل لرئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد مع حركة النهضة لخير دليل على ذلك.

وأمام هذا المشهد تجمع مختلف الأوساط السياسية على أن الوقت حان لتجريد حركة النهضة الإسلامية من أوراقها التي تسعى من خلالها إلى توظيف الأزمة الراهنة في الاستحقاق الانتخابي للعام 2019.

4